ثقافة الحوار في ضوء القرآن الكريم

رحاب حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 16

يحتلُّ الحوارُ في القُرآن الكريم مكانةً واضحةً، فهو منهجٌ مهمٌّ في بيان الحقائق وتقويم السلوك، وترسيخ الإيمان، وقد تكرّر أسلوب الحوار في القُرآن الكريم كثيًرا؛ لأنّه من أرقى وسائل الخطاب في عرض الحُجج والإقناع، وأكثرها مقدرة على تحريك الفكر والوجدان تجاه موضوع مُعيّن، حتى صار منهجًا تربويًّا ينبئ عن مستوى العقل والنضوج الذي يتمتّع به المؤمن المُتسامح، بعيدًا عن اللؤم والتعصّب. وبناء على ذلك يُعرّف الحوار في اللغة على أنّه (مُراجعة الكلام بين اثنين أو أكثر على سبيل التحاور والتجاوب)(1)، فالحوار تبادل الكلام، سواء كان في سياق ديني، أو تربوي، أو أدبي بهدف التواصل، أو تبادل وجهات النظر بشأن قضيّة مُعيّنة، وحلّ المشكلات، أمّا في القرآن الكريم، فالحوار تبادل بين طرفين أو أكثر بقصد الوصول إلى الحقيقة، أو إزالة اللبس، أو تحقيق هدف إيماني وتربوي؛ لذلك تنوّع الحوار، فتارة نراه بين المتحابّين أو بين المتباغضين، وتارة بين المتّفقين في الفكر والعقيدة أو المختلفين، وبغضّ النظر عن ذلك، فقد بيّن القرآن الكريم أهمّية محاورة الآخرين، وضرورة الاستناد على أسلوب اللين واللطف، فقد قال الله تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (النحل: 125). أنواع الحوار في القرآن الكريم: أولًا: حوار الله (عزّ وجلّ) مع ملائكته، إذ قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة:30). ثانيًا: حوار الله (عزّ وجلّ) مع الأنبياء (عليهم السلام)، فقد شغل مساحة كبيرة في القرآن الكريم، سواء كان ذلك الحوار يشتمل على الإرشادات بالتصبّر أو المواساة أو غيرها، فقد قال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (الطور:48). ثالثًا: حوار الأنبياء (عليهم السلام) مع الناس، وأمثلته كثيرة في القرآن الكريم؛ لأنّ مَهمّة الأنبياء الرساليّة كانت تتطلّب التواصل مع البشر لهدايتهم، ومن ذلك حوار النبي إبراهيم (عليه السلام) مع الوثنيين، فقد جاء في قوله تعالى: قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (الأنبياء: 63). رابعًا: حوار الأنبياء (عليهم السلام) مع الحيوانات وذلك دلالة على عظمة الله (عزّ وجلّ) وقدرته التي تجلّت في طاعة المخلوقات له واستجابتها لأمره، فقد حاور أنبياء الله بقيّة المخلوقات، كالهدهد والنمل والطير، قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين (النمل:16). خامسًا: حوار الناس مع بعضهم، مثلما جاء في قوله تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (الكهف:37)، فالحوار الهادئ المؤدّب في عرض الحُجج والبراهين، يجعل صاحبه أكثر تأثيرًا وتقبّلًا في النفوس، وأنْ يزيّن كلامه بالحكمة والموعظة، مُتسلسلًا في عرض الأدلّة بصورة منطقية من غير تهجّم أو تحقير للآخر مهما كان سلوكه، ومن هذا المنطلق نجد الإمام عليّ (عليه السلام) يؤكّد أهمّية الخطاب الذي يعكس شخصية صاحبه، كقوله (عليه السلام): "المرء مخبوء تحت طيّات لسانه"(1). أسس الحوار: يقوم الحوار في القرآن الكريم على أسس أخلاقية وقيمية عديدة، منها: 1- اللين والحكمة: كثيرًا ما يدعو القرآن الكريم إلى ضرورة اعتماد الرفق واللين في الخطاب، حتى مع ألدّ الخصوم، فقد قال تعالى لنبيّه موسى وهارون (عليهما السلام) عندما بُعثا لتبليغ الرسالة إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه:44). 2- مراعاة الجانب الإنساني واحترام الآخر: حرص القرآن الكريم على أهمّية مراعاة الآخرين في الخطاب، فقد قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ (آل عمران:159)، فالآية الكريمة تشتمل على السلوك الروحي والعملي الذي سلكه النبي (صلّى الله عليه وآله) في دعوته، فـ(الفظّ) في اللغة (الغليظ، الجافي، الخشن الكلام)، وغليظ القلب هو قاسي الفؤاد الذي لا تُلمس منه رحمة، ولا يحسن منه لين، وبهذا يشير سبحانه إلى ما كان يتحلّى به الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) من لين ولطف تجاه المذنبين والجاهلين(3). 3- تحكيم العقل والمحاججة بالبرهان والدليل: يكمن ذلك في عدم إطاعة الآخرين طاعة عمياء، فالمؤمن له أسس لا يحيد عنها مهما بلغت إمكانات الطرف المقابل وسلطته، فقال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة:11). وظائف الحوار: 1- الوظيفة المعرفيّة: فالحوار يسهم في فهم الحقائق وتوضيحها، ومعرفة مبرّراتها، كحوار النبي سليمان (عليه السلام) مع الهدهد. 2- الوظيفة النفسيّة: إذ يخفّف الحوار من الحالة النفسية المتعبة، ويبعث على الطمأنينة، كحوار الله (عزّ وجلّ) مع الأنبياء والرسل (عليهم السلام). 3- الوظيفة التربوية: فالحوار أسلوب مهمّ في التربية التي تحترم عقل المتلقّي، مثلما كان أسلوب الأنبياء والصالحين مع أبنائهم وأقوامهم، فقال تعالى: إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان:13). ممّا تقدّم نلاحظ أنّ مفهوم الحوار في القرآن الكريم ليس مجرّد أسلوب، بل هو منهج ديني وأخلاقي وتربوي، يوجّه الإنسان إلى التفكير السليم، ويعزّز من روح التسامح، ويقيم الحجّة بأرقى الوسائل، لإقامة تواصل فعّال يقوم على الحكمة والاحترام وفهم الآخر في زمن يشهد مختلف التصادمات الفكرية والثقافية، ممّا يظهر أهمّية استلهام المنهج القرآني، وإعادة العمل به وتفعيله في مختلف أنواع الحوار التي يستعملها الإنسان في حياته، ممّا يسهم في بناء شخصيّات متوازنة، ومجتمعات واعية بعيدة عن التناحر والتصادم. ........................... (1) مختار الصحاح: ص161. (2) بحار الأنوار: ج68، ص291. (3) تفسير الأمثل: ج2، ص748.