رداء الملائكة

فاطمة رحيم المعيوفي/النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 11

حمل البرد في أنفاسه قسوة الأيام، كأنّ ظروف العيش تتآزر معه، إذ تُميل وطأته علينا أكثر ونحن نتوسّد الأرض ونلتحف السماء، متيقّنين أنْ لا شيء يعيد الدفء إلى قلوبنا سوى صخب الرصاص في ساحات الحياة، إذ قُدِّر لنا أنْ نقف بثبات حتى نكون جنودًا للقدر، ونخوض المعركة التي خبّأتها الأيام لنا. لا أظنّ أنّ ما مررنا به من لحظات عصيبة سيُمحى يومًا من الذاكرة، فالزمان لن يطوي ذاكرة الألم؛ لأنّ موقفًا واحدًا يجعلنا نستعيد ما عشناه، نتقاسم أكواب الشاي ونحن نلتفّ حول الحطب المشتعل، نستحضر في دفء جلستنا ذلك البرد الذي كان ينهش أرواحنا، كيف ننسى تلك الأحداث المريرة، وتحديدًا ما شَهِدناه في الحقبة الماضية التي كانت أثقل من العمر كلّه. (16) يومًا ونحن في حرب لا تتوقّف نيرانها، أرهقنا السهر وتفطّرت أيادينا من حمل السلاح، وتشقّقت وجوهنا من شدّة الرمال المتطايرة في الصحراء، وعندما بدأ الانسحاب، اجتاحنا التعب حتى غلبنا النوم، فرأيتُ في منامي رجلًا ذا هيبة قال لي: (نمْ وخُذ قسطًا من الراحة، لقد جاء دورنا)، منذ ذلك الوقت وأنا أعلم أنّنا لا نخوض المعارك لوحدنا، فهناك مَن يقودها، وإنْ أصابنا التعب وسُلبت منّا القدرة على البقاء مستيقظين، فهناك مَن يحيط بنا ويلقي بردائه علينا. كان أُنسًا في ليالينا الحالكة، ونصيرًا في كلّ مأزق وشدّة، لم يزل حافظًا وقائدًا مثلما عهدناه، ودعونا دائمًا بلسان حالٍ يترجّى ولا ييأس، نرفع أصواتنا بدعاء الفرج مجتمعين ومردّدين بلهفة المحبّ المشتاق: "اللهمّ عجّل لوليّكَ الفرج"، وجدنا يده الحنونة عند كلّ شهيدٍ يسقط، يسند رأسه بكفٍّ رحيمة، وعند كلّ جريحٍ يضمّد نزفه بطمأنينةٍ خفيّة، وجوار كلّ جنديٍّ ارتجفت مشاعره تحت وطأة الخوف. كم مرّة عطشنا فأروانا، ووهنّا فقوّانا، ومللنا فشدّ عزائمنا، كنّا نراه معنا وإلى جانبنا كلّ لحظة، حتى جاءت تلك الساعة المرتقبة، ساعة أحسسنا بها قبل أنْ تأتي لأنّها رؤيا صادقة تلامس الروح قبل الجسد. إنّها رؤيا رواها أحد المقاتلين الأبطال وقد علت البهجة محيّاه، وانسابت الكلمات من فمه بلهفة فسالت معها دموعه، حدّثنا كيف رآه (عليه السلام) في منامه يُنزل راية الذلّ والخنوع، ويرفع راية النصر والإيمان، وما هي إلّا أيّام معدودة حتى زُفّت البشارة بنصرٍ مبارك فعاد مَن عاد، ورحل مَن استُشهد، وبقينا نحن ممّن ينتظرون ظهوره، واقفين على أهبّة الاستعداد، ورجاؤنا أنْ نرتوي من رؤيته ونشاركه حربه لإقامة العدل وإحياء الشريعة.