حدثني جعفر (عليه السلام)
(حدّثني جعفر بن محمّد... حدّثني جعفر بن محمّد)! كلمات تردّدها أفواه العلماء والفقهاء عَبر التاريخ، أجمعوا عليها مثلما أجمعوا على التوحيد، وتفرّقوا عن صاحبها مثلما تفرّقوا عنه! من عجائب الدهر وغرائبه أنْ يُجمع الجميع بمَن فيهم أهل العامة على أعلمية رجلٍ وتفوّقه ونبوغه في شتى العلوم، وعدالته ونزاهته وإيمانه وتقواه التي لا يدانيه فيها أحد، وأنّه من نبيّ الرحمة والهدى (ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:34) وهم مع ذلك يقدّمون غيره عليه، فيأخذون من علمه ويروون عنه وهم له قالون، فإذا أفعالهم تناقض أقوالهم، وإذا هم للحقّ عارفون وعنه معرضون. لكنّ العجب يزول والاستغراب يضمحلّ حالما نتنبّه إلى أنّنا في رحاب هذه الدنيا الدنيّة التي جعلها الله (عزّ وجلّ) لعباده دار بلاء واختبار، وكانت أعمالهم فيها هي الميزان لما سوف يلاقونه في دار القرار، فإمّا لقاءٌ بالأخيار المصطفين الأبرار، والحشر معهم وفي زمرتهم يوم يُحشر كلّ أناس مع إمامهم، وإمّا تباعدٌ عنهم كتباعد الليل عن النهار، والظلمات عن الأنوار، وحشرٌ في زمرة أهل النار، ممّن أنكروا فضل الله سبحانه عليهم، وتمسّكوا بحبل الشيطان، فجذبهم معه إلى هاويته السحيقة، حيث يلقون ما عملوا محضرًا، ويحصدون ما زرعوا في دنياهم: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) (الزلزلة:8،7). كذا هو حال مَن غرّته الدنيا وباع آخرته بالأوكس الأدنى، وأعرض عن ذكر الله وأهل بيت الله، فلاقى غضب الله وسخطه، وكذا هو حال مَن أنكر فضل جعفر بن محمّد (عليهما السلام) وإمامته! ألم يقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلّا واحدة؟ ولمّا سُئِل عنها قال مشيرًا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): "هذا وشيعته"(1). ومهما تضاربت الآراء بشأن الفرقة الناجية، فهي لابدّ من أنْ تتقاطع عند عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، فهو من دون منازع وبشهادة الماضي والحاضر، والقاصي والداني، والمحبّ والقالي "صدّيق هذه الأمة وفاروقها وحجّة الله عليها" (2)، وهو مَن لم يُعرَف المؤمنون إلّا به، وهو مَن هو في أسبقيّته، وجهاده، وعلمه، واجتهاده ممّا لا يحصيه العادّون، ولا يقوى على الإحاطة به العارفون؛ لكنّ أهل الدنيا رفضوه، وباعوا حقّه بعدما بايعوه، وغدا هو والأئمة من ولده المثال الأرقى والأبرز على أنّ أهل الحقّ هم المظلومون، يتبعهم شيعتهم في مظلوميتهم التاريخية، مثلما تكرّ سبحتهم الفاطمية عن صالح بعد صالح، وإمام بعد إمام، وتتريّث قليلًا عند الإمام السادس، جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)؛ لتتابع بعده حتى السادس من ذرّيته الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلِئت ظلمًا وجورًا. الإمام السادس، الوصيّ الحارس، الحدّ الفاصل بين آبائه المنتجبين الخمسة وأبنائه المصطفين الستّة، وهو حلقة الوصل الذهبية الذي عنون باسمه صحيفة المؤمن العلوي والمؤمنة الفاطمية. ليس جعفر (عليه السلام) علامةً فارقةً في سجلّ الأئمة من آل محمّد (صلوات الله عليهم)، فهم كلّهم واحد في العلم والفقه والصبر والكمال الإنساني، "أولهم محمّد وأوسطهم محمّد وآخرهم محمّد وكلّهم محمّد"، وشاء الله تعالى أنْ يكون له في عصره من أفول سلطان آل أمية وهبوطهم، وتجبّر آل العبّاس ونهوضهم، ما جعله بمأمن نسبيًّا عن غدرهم وتسلّطهم الذي تعوّده أسلافهم، ثم مَن أتى بعدهم على آبائه وذراريه، ولئن سلم حتى حين ممّا تعرّض له والده الباقر وجدّه السجّاد وجدّه سيّد الشهداء وعمّه الحسن المجتبى وجدّه سيّد الأوصياء (عليهم الصلاة والسلام) وشيعتهم وأنصارهم من ظلم الحكّام الأمويين وغدرهم، ونجا إلى أجل مسمّى ممّا ابتُلي به ولده الكاظم وحفيده الرضا وأحفاده الجواد والهادي والعسكري والحجّة المهدي (صلوات الله عليهم) من كيد بني العبّاس وشرّهم، فقد استثمر "إمام الرافضة" بزعمهم، حالة الانشغال بالحكم التي سادت في عصره، والتهاء الحكّام السابقين واللاحقين عنه بصراعهم على الدنيا والسلطان، وشمّر عن ساعد الجدّ وراح يثبّت معالم الدين الحنيف، فيعلّم ويفقّه ويفهّم، فمَن رآه وسمعه أخذ عنه، ومَن لم يرهُ ولم يسمعه أخذ عن تلامذته، حتى ذاع علمه في الآفاق، وتجذّر الدين الحقّ في القلوب والأحداق، والأرواح والأعماق، وغدا أتباعه من شيعة عليّ (عليه السلام) هم (الجعفريون)؛ ليمهر الزمان تاريخ الشيعة المجيد باسمه، وليصبح عنوان الفئة الناجية على الرغم من إنكار المغرضين وكيد الكائدين. لكنّ النور الذي شعشع ذات ظلمةٍ دامسة في فضاء الإنسانية، واستضاء بشعاعه كلّ مَن أراد البحث عن الحقيقة الربّانية، كان يزداد مع كلّ إشراقةٍ حدّة، ومع كلّ انطلاقةٍ شدّة، حتى خشيه المظلمون على أبصار العميان أنْ تتفتّح، ووضع أنصار الشيطان نصب أعينهم أنْ يغيّبوا هذه الشمس الساطعة وأنْ يكتموا هذا الصوت الأصدح، فهبّ دوانيقي بني العبّاس المنصور الذي لم ينصره إلّا أمثاله من عشّاق الدنيا وكلابها وذئابها، وقام في وجه الحقّ بباطله وشرّه، وأراد أنْ يذلّ الصادق البارّ، فأعزّه الله بصدقه وبرّه، فلجأ إلى سلاح غدره، ذاك السمّ الزعاف الذي سنّ ابن آكلة الأكباد سنّته في السابقين بمكره، وأسدل التاريخ ستارًا من حقده الأسود على سيّد بني عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)؛ لكنّه لم يتمكّن من تغييب فجره، ومع أنّ السمّ الزعاف قد فرى كبده الشريفة، إلّا أنّ أصداء نبرته الثائرة الثابتة لم تستطع أنْ تبتلعها غياهب النسيان، وأتمّ الله نوره به مثلما أتمّ نوره بمَن سبقه من أهل العصمة والإيمان، وغدا جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) بيانًا لخير عنوان، ومنبعًا للهدى ودين الحقّ الذي سيقيم دعائمه من جديد حفيده الأعظم صاحب العصر والزمان، وليبقى ذكره الراسخ والمحلّق في فضاء الأكوان شاهدًا وشهيدًا على أنّ نور الحقّ لا يغيب، وأنّ يد الله هي العليا، وأنّ الله يحقّ الحقّ بكلماته ولو كره المبطلون.. ................ (1) بحار الأنوار: ج40، ص6. (2) علل الشرائع: ج1، ص177.