مأوى النور وملتقى الإمامة
هناك بعيدًا في المسافة قريبًا من القلب في بقعة تجاوزت حدود الجغرافيا؛ لتصبح رمزًا ممتدًّا في عمق الوجدان القلبي والإسلامي؛ فهي ليست مجرّد مقبرة تضمّ أجسادًا طاهرةً، بل هي خزانة النبوّة ومستقرّ أئمة الهدى الذين نشروا بجهادهم وصبرهم معالم الدين القويم، فإنّ تعظيم هذا الموضع والوقوف عند ذكراه ليس مجرّد طقس عاطفي، بل هو تجديد الولاء للحقّ الذي جسّده أئمتنا (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، ومجمع الأنوار: نبيّ الرحمة وبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فمنهم بدأت قدسية هذا المكان، من نبيّ الرحمة محمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يخرج للبقيع ويدعو لأهله، مؤكّدًا حرمة هذا المكان. فمِن فيض نوره، نعرّج على سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي تذكر الروايات شجنًا عميقًا يرتبط بوجودها في هذا الجوار؛ لتكون هي وسرّها المستودع فيها روح البقيع ونبضه، والجامعة لقلوب المحبّين حول مظلوميتها وعظمتها. إنّ البقيع الغرقد ضمّ أربعة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، يمثّل كلّ واحد منهم مرحلةً مفصليةً في حفظ الإسلام، فمن هنا عُرِفَ الحلم الذي فاق الجبال، والصلح الذي كان نصرًا استراتيجيًا لحفظ جوهر الدين من الضياع، وشعّ نور (الصحيفة السجّادية) التي تُعدّ زبور آل محمّد (صلوات الله عليهم) قمّة الروحانية، وتفجّرت ينابيع العلم في وقت كانت فيه الأمة تائهة، فأُسست القواعد الفقهية والعقدية، وبُنيت القاعدة العلمية، فتخرّج في مدرسة المعصومين (عليهم السلام) آلاف العلماء في شتى العلوم. من هنا يتّضح لنا أنّ تعظيم يوم البقيع واستذكار آل البيت (عليهم السلام) إنّما هو إحياء للقيم التي استُشهدوا من أجلها، فإنّ استحضار سيرتهم يهدف إلى ترسيخ الهوية، فالبقيع هو الشاهد الحيّ على تسلسل الإمامة وامتداد النبوّة، واستنهاض الوعي عَبر قراءة فضائلهم ومناقبهم؛ لنتعلّم كيف واجهوا التحدّيات بالصبر والحكمة؛ لذلك يجب المطالبة بإعمار مراقد البقيع، فهو تعبير عن رفض النسيان، والإصرار على أنْ تظلّ القباب النورانية شامخة في الوعي الإنساني، فعلى الرغم من بساطة معالم