العيد بين نور العبادة ودفء العطاء

زهراء سالم الجبوريّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 6

العيد ليس يومًا عابرًا يمرّ في تقويم الزمن، ولا مناسبة تُختزل في مظاهر الفرح وحدها، بل هو حالة روحية وإنسانية متكاملة، تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ لتلامس جوهر الإنسان، إنّه صباح يشرق أولًا في القلوب قبل أنْ تراه العيون، ويطرق الأرواح قبل أنْ تُفتح له الأبواب، فيأتي العيد بعد رحلة طويلة من الطاعة والصبر والمجاهدة؛ ليكون مكافأة معنوية، وراحة نفسية، وتجديدًا للعهد بين الإنسان وربّه، وبين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخرين. في لحظاته الأولى ومع بزوغ الفجر، تتعالى التكبيرات كأنّها نداء سماويّ يعيد ترتيب المشاعر، ويغسل القلوب من تعب الأيام، ويوقظ في النفوس معاني الشكر والرضا، تلك التكبيرات لا تُسمع بالأذن وحدها، بل تُحَسّ بالقلب، فتبعث الطمأنينة، وتذكّر الإنسان بأنّ الفرح الحقيقي مرتبط بالقرب من الله (عزّ وجلّ)، وفي صلاة العيد حين تصطفّ القلوب قبل الأجساد، يذوب الفارق بين الناس، فلا غنيّ ولا فقير، ولا كبير ولا صغير، بل أرواح متجاورة في حضرة الامتنان والخشوع، وهناك يدرك المرء أنّ العبادة ليست عبئًا، بل نورًا يضيء الداخل، وأنّ السكينة هي أسمى صور الفرح. ثم يمتدّ العيد من ساحات الصلاة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيتحوّل إلى فرح هادئ متّزن، لا صخب فيه ولا تكلّف؛ فرح يسكن الضحكات الصافية، ويختبئ في نظرات الرضا، وفي لهفة اللقاء بعد الغياب، وفي مصافحة تُنهي خلافًا، وكلمة طيّبة تداوي جرحًا قديمًا، فيعيد العيد إلى الإنسان قدرته على المحبّة والتسامح، ويمنحه فرصةً جديدةً لفتح الصفحات البيضاء مع مَن حوله. وتزداد قيمة العيد حين يتحوّل الفرح إلى مشاركة حقيقية، فالعيد لا يكتمل إلّا إذا خرج من حدود الذات إلى فضاء الجماعة، هنا يتجلّى دفء العطاء بوصفه جوهر العيد وروحه العميقة، فالعطاء في العيد ليس مجرّد مال يُمنح، أو هدية تُقدّم، بل هو إحساس صادق بالآخر، وشعور بالمسؤولية تجاه مَن لم تكتمل فرحتهم، فحين يُدخل الإنسان السرور على قلب محتاج، أو يمسح على رأس يتيم، أو يزرع الأمل في نفس متعبة، يصبح العيد رسالةَ رحمة متجسّدة، ويتحوّل الفرح إلى عبادة صامتة، خالصة، لا تحتاج إلى كلمات. وفي العطاء يتطهّر القلب من الأنانية، ويكتشف الإنسان أنّ ما يمنحه للآخرين يعود إليه أضعافًا في صورة راحة ورضا داخلي، فالعيد يعلّمنا أنّ السعادة لا تُختزن، بل تُتداول، وأنّ الفرح حين يُشارك يصبح أعمق وأبقى؛ لذلك كان العيد مناسبةً لتجديد القيم الإنسانية، وإحياءً لمعاني التكافل، وترسيخًا لروح الأخوّة التي تتجاوز الفوارق والاختلافات. هكذا يقف العيد في منطقة مضيئة بين نور العبادة ودفء العطاء، جامعًا بين السموّ الروحي والبُعد الإنساني، بين القرب من الله تعالى وبين القرب من الناس، فيه تتصافح القلوب قبل الأيدي، وتتجدّد النوايا، ويشعر الإنسان بأنّ الرحمة ليست فكرة مجرّدة، بل سلوكًا يوميًا وحياةً تُعاش.