رد الشمس في ضوء الإعجاز الكوني والولاية
الكون كتاب مفتوح للتأمّل، آياته تُتلى لذوي القلوب الواعية عَبر مسارات رسمها الخالق العظيم. وللأجرام في فضاءاتها الشاسعة دهشة وذهول، تتحرّك الأفلاك في صمت بنظام محكم وبدقّة عالية الإتقان، ساعة كونيّة لا يطغى فيها مسار على مسار، لكلّ جرم إيقاعه، ولكلّ مدار حدّه، والضوء لا يعتدي على الظلّ، والليل لا يقتحم النهار، والشمس تمضي في طريقها المرسوم لتؤدّي دورها بدقّة، نظام تتحوّل الحركة فيه إلى برهان على وجود قدرة جبّارة مدبّرة لهذه المنظومة. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت هذه الأجرام العظيمة تسير وَفق نظام محكم لا يتخلّف، فهل هذا يعني أنّ الله تعالى قد قيّدها بهذه القوانين؟ أم أنّ القدرة الإلهيّة فوق كلّ قانون؟ الحقيقة أنّ هذه القوانين الكونية هي من صنع الله تعالى وتقديره، وهو سبحانه القادر على أنْ يجري الأمور وَفقها، وقادر أيضًا على أنْ يخرق هذه السُنن لحكمة يريدها، ولقد أخبرنا القرآن الكريم عن نماذج من هذا التسخير الإلهي لصالح أنبيائه وأوليائه حين سخّر الجبال لداود (عليه السلام) تسبّح معه، وحين سخّر لسليمان (عليه السلام) الريح العاصفة، وأنّ من أعظم الآيات الكونيّة التي سجّلها التاريخ أنّ الله تبارك وتعالى ردّ الشمس على (يوشع بن نون) وصيّ نبيّ الله موسى (عليه السلام) حتى صلّى الصلاة التي فاتته في وقتها. وهنا نصل إلى حادثة عظيمة من حوادث صدر الإسلام، رواها المؤرّخون والمحدّثون، إذ جرت السنّة في ردّ الشمس على أمير المؤمنين (عليه السلام) مرّتين، مرّة في أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومرّة بعد شهادته، أمّا في أيّامه: فقد رُوي عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: "بينما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نائم ذات يوم ورأسه في حجر عليّ (عليه السلام)، ففاتته العصر حتى غابت الشمس، فقال (صلّى اله عليه وآله ): "اللهمّ إنّ عليًّا كان في طاعتكَ وطاعة رسولكَ فارددْ عليه الشّمس"، قالت أسماء: فرأيتُها والله غربت ثمّ طلعت بعد ما غربت، ولم يبقَ جبل ولا أرض طلعت عليه حتى قام عليّ (عليه السلام)، فتوضّأ وصلّى ثمّ غربت"(1). وأمّا بعد شهادة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه رُوي عن جويرية بن مسهّر أنّه قال: (أقبلنا مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من قتل الخوارج حتى قال: فنزل (عليه السلام) عن ناحية، فتوضّأ ثم قام فنطق بكلام لا أحسنه إلّا كأنّه بالعبراني، ثمّ نادى الصلاة، فنظرتُ والله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير فصلّى العصر وصلّيتُ معه، فلمّا فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان)(2). هذه الحادثة تضعنا أمام حقيقة جوهريّة، ألا وهي أنّ للإمام عليّ (عليه السلام) الولاية التكوينية، فهو ممّن استقرّ في طاعة الخالق فسخّر له جميع المخلوقات، فأشهد أنّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) منزلةً عند الله إذا تحدّث بها إلى الوجود أنصت، وإذا أشار بها إلى الزمن توقّف. ...................... (1) بحار الأنوار: ج41، ص166. (2) مَن لا يحضره الفقيه: ج1، ص203.