رياض الزهراء العدد 229 ألم الجراح
شواهد بلا قبور
في ليلةٍ تشبه الامتحان، أيقظتُ الذاكرةَ بسؤالٍ مرتجف، فاستيقظ الخرابُ من نوم القرون، ومشت الفواجعُ نحوي بوجوهٍ مستعارة. البقيع لم يكن مكانًا، كان سؤالًا مفتوحًا على السماء، وحين ضاق صدرُ الرمل، كسروه كي لا يدلَّ على شيء. هناك، تُرك الصادقُ بلا شاهدة، مثلما تُترك الفكرةُ حين تُخيفُ عقول الحُرّاس. قالوا: الحجرُ يُغري بالذاكرة، والذاكرةُ تُعلِّم الناس كيف يسألون، فمحَوا الأثر، وظنّوا أنّ العلم يشيخُ إذا نام بلا قبّة؛ لكنَّ الصوت لا يحتاج إلى جدار، والفكرة لا تُدفن حين تُحاصَر. من البقيع إلى سامرّاء كان الطريقُ واحدًا، والأيدي نفسها، مُقنَّعة، مُضمَّخة، تغسل الدمَ بالعقيدة، وتُعطّر الخرابَ بالفتوى. في سامرّاء لم ينفجر الحجر، بل انفجرت الذاكرة، وتطاير الصمتُ شظايا في وجوه مَن حسبوا أنّ الغياب يُربك الحقيقة. أجادوا فنَّ المحو، وأخفقوا في قراءة ما لا يُمحا. وحين غابت الفكرة انفرط عقدُ لعبتهم، فشيّعوا الحقيقة بصمتٍ مع الجنائز الهاربة. وبقي السؤال واقفًا لا يبحث عن قبر، بل عن نورٍ يسكن القلوب حين تُهدَم الشواهد. فكنتم يا أئمتي ذلك النور، شعَّ نورُكم في قلوب المُلهَمين. ثم لا شيء يُقال، يمضي المعنى على مهل، كخطوة نورٍ في ليلٍ طويل. لا قبرَ يناديه، ولا حجرَ يدلّه، غير سكينةٍ تتسرّب إلى القلوب حين يهدأ الألم ويصير الصمتُ معنى. وفي آخر الكلام تستريح الذاكرة، لا تحت قبّة، ولا عند شاهد، بل في نورٍ خفيّ، إذا مرَّ بالصمت أزهر، وإذا لامس القلوب اطمأنّت.