حين أثقل القلب بما لا يحتاجه

تبارك حيدر/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 11

لم تكن (سعاد) تفتقر إلى شيءٍ محدّد، فبيتها مجهّز بالأثاث، وعملها مستقرّ، ويدها لا تعود فارغة آخر النهار، ومع كلّ ذلك كانت تشعر بثقلٍ خفيٍّ في صدرها، كأنّ قلبها يحمل حقائب لا تعرف متى جمعتها، ولا لماذا لم تضعها بعدُ؟ كانت كلّما جلست مع نفسها، رأت ما في أيدي الأخريات أوضح ممّا في يدها. تعدّ خطواتهنَّ، تراقب تقدّمهنَّ، وتقيس عمرها بما فاتها لا بما بلغته. لم تكن جائعة، لكنّها لم تشبع، ولم تكن محتاجة، لكنّها كانت تشعر بالنقص. في مساءٍ هادئ حيث كانت متعبةً، حضرت مجلسًا حسينيًا، لا طلبًا لشيءٍ محدّد، بل هربًا من الضجيج الذي بداخلها. جلست في الصفوف الخلفية قريبة من الجدار، وضعت كفّها على صدرها حين بدأت الخطيبة تقرأ، كأنّها تخشى أنْ يسمع أحدٌ ازدحام قلبها. ارتفع صوت الخطيبة هادئًا وواضحًا، ثم تلت الآية: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (الحديد:23) ارتجفت أصابعها قليلًا، شعرت بحرارةٍ تصعد إلى عينيها، لكنّها بقيت تحدّق في السجّادة، كأنّ الدمع لو سقط لانكشف ما كانت تخفيه منذ أعوام. بدأت الخطيبة تشرح الآية قائلةً: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يريد للإنسان أنْ يعيش حزينًا على ما مضى، ولا معلّقًا بما في يده، إنّ القلب حين يبدأ بالمقارنات ينسى طمأنينته الأولى، وحين يُثقَل بالتمنّي، يضيع منه الحاضر. ثم قالت: إنّ لأهل البيت (عليهم السلام) طريقًا آخر، طريقًا أخفّ على الروح. وتحدّثت عن الشكر، لا بوصفه كلمة، بل عادة تُربّى في القلب، وعن ذكرٍ صغير إنْ لزم اللسان، كَبُر أثره في الصدر. وعن صدقةٍ تُخرَج خفية، لا لتزيد المال، بل لتُقنع القلب أنّه ليس فقيرًا مثلما يظنّ، ثم قرأت قول الإمام الصادق (عليه السلام): "مَن رضي من الله باليسير من المعاش، رضي الله عنه باليسير من العمل"(1). شعرت (سعاد) أنّ العبارة استقرّت فيها، لا في أذنها فقط، كأنّ أحدًا أزاح حقيبةً ثقيلة عن قلبها من دون أنْ يلمسها. عادت إلى بيتها تلك الليلة ببطء، فلم تعد تُحصي ما ينقصها، بل ما تحمله من هموم مُختلقة. سألت نفسها: كم طلبتْ ولم تحتج؟ وكم تعبتْ؛ لتبدو مثلما أراد الآخرون لا مثلما أرادت روحها؟ في الأيام التالية لم يتغيّر شيءٌ كبير في حياتها؛ لكنّها هي التي تغيّرت. صارت إذا نظرت إلى غيرها، أعادت نظرها إلى داخلها، وإذا ضاق صدرها، همست: الحمد لله على كلّ حال، وإذا مالت إلى المقارنة، تذكّرت تلك السجّادة، وذلك الصوت الهادئ، وتوقّفت. وذات يوم، سمعت رواية عن الإمام السجّاد (عليه السلام)، أنّه قال: "إنّ الله إذا أحبّ عبدًا رضي منه باليسير"(2). ابتسمت، فهذه المرّة لم تكن العبارة فكرة، بل تجربة. لم تتغيّر الدنيا من حولها كثيرًا، لكنّ صدرها لم يعد مزدحمًا، فلم تعد تشعر أنّ الحياة تركض أمامها، ولا أنّها تركض خلفها. صارت تمشي معها بموازاتها، وفهمت أخيرًا أنّ القناعة لم تكن يومًا حرمانًا، بل نجاةً، وأنّ عدم القناعة لم يكن فقرًا في الرزق، بل ازدحامًا في القلب. وحين كانت تردّد في دعواتها: "يا مَن يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير"(3)، لم تعد تقولها خوفًا، بل طمأنينةً، فقد تعلّمت، متأخّرةً ربّما، أنّ القلب حين يخفّ، تُصبح الطريق ألين، ويغدو القليل كافيًا، بل كثيرًا. .................... (1) تحف العقول: ص301. (2) الكافي: ج2، ص147.