رياض الزهراء العدد 229 الملف التعليمي
لغة اللطف: حين نصنع جيلًا يقاوم التنمر بنور القيم والإيمان
إنّ المدرسة عالم جميل لصناعة ذكريات دافئة، إذ تختلط الضحكات بثرثرة الطلاب في الساحة، وتتعانق أصوات الطابور مع طموحات الصغار، لكن تنشأ عوالم خفيّة لا يراها إلّا مَن يقترب قليلًا من تفاصيل يوميات الطلاب. هناك، بين مقاعد الصفّ وممرّات الاستراحة، يُولد التنمّر أحيانًا من دون أنْ نشعر، يبدأ بكلمة أو عبارة، ثم يتحوّل تدريجيًا إلى جرح لا يُرى بالعين لكنّه يترك أثرًا طويلًا في الروح. بوصفي مُدرّسةً وعضوًا في لجنة (مكافحة التنمّر)، كثيرًا ما أراقب المواقف بحسّ المسؤولية، فأرى كيف يمكن لكلمة صغيرة أنْ تهدّ ثقة طالب، وكيف يمكن لإيماءة مستفزّة أنْ تدفع آخر إلى الانطواء على نفسه، كأنّ العالم قد ضاق عليه، والمثير للدهشة أنّ الشخص المتنمِّر ليس قويًا مثلما يبدو، بل يحمل بداخله خوفًا أو تجربةً ناقصةً جعلته يتنمّر ليغطّي اضطرابه الداخلي، أمّا الطالب المتنمَّر عليه، فهو ليس ضعيفًا مثلما يُظَنُّ به، بل يحمل قوة صامتة تحتاج فقط إلى مَن يذكّره بقيمته، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (الإسراء: 70)، وتكريم الخالق للإنسان يثبت قيمته قبل أيّ تقييم بشري. أمّا في جلسات الإصلاح، فأستمع لروايات الطلاب، فأكتشف أنّ ما نظنّه عنفًا هو في حقيقته سوء فهم، وأنّ ما يبدو قسوةً إنّما هو مشاعر مضطربة تبحث عن مخرج، وهنا تتجلّى مَهمّة المُدرّس، ليس فقط في تهدئة الموقف، بل في قراءة ما وراء الكلمات والملامح، ومساعدة الطلاب على التعبير من دون خوف، وقد قال تعالى في قيمة الكلمة الطيّبة: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (البقرة:83)، وفي هذا توجيه تربوي عميق يجعل اللطف منهجًا لا خيارًا؛ لأنّ التربية الحقيقية لا تبدأ بوضع القوانين بقدر ما تبدأ ببناء القلوب، فهي تربية تعلّم الطالب أنّ مواجهة التنمّر لا تقوم على العقاب وَحده، بل على إصلاح الداخل قبل معالجة الظاهر، وتعلّمه أنّ الاعتذار قوة لا نقص، وتصحيح الخطأ رفعة لا هوان، وقد جسّد النبي (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى حين قال: "أشدّكم مَن ملك نفسه عند الغضب، وأحملكم مَن عفا بعد المقدرة"(1)، فيعلّم الطلاب أنّ القوة هي في تماسك القلب لا في ارتفاع الصوت. وفي سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) دروس تربوية عظيمة، فقد كان (صلّى الله عليه وآله) يمسح على قلوب أصحابه بكلمة أو بابتسامة، ويمنح كلّ واحد منهم شعورًا بالقيمة، حتى قال الله تعالى واصفًا خُلُقه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ (آل عمران:159)، وهذا اللين هو أساس مكافحة التنمّر؛ لأنّه يخلق بيئة يدخلها الطالب مطمئنًّا، ممّا يجعل مكافحة التنمّر رحلة ذات قيمة لبناء شخصية متوازنة للمستقبل، لا يومًا هادئًا فقط بهدف تقليل المشاكل، وكلّما أرى طالبًا يربّت على كتف زميله، أو يمدّ له يد العون بعد سماع كلمة مؤذية، أدرك أنّ رسالتنا آتت ثمارها. فالتنمّر لا يُهزم بالقرارات وحدها بل بالوعي، وبالقلب الذي يتدرّب على اللطف، وبالمدرسة التي تتحوّل إلى مساحة أمان يشعر فيها كلّ طالب أنّ صوته مسموع، وقيمته محفوظة، وكرامته مُصانة بنور الدين، فحين نغرس هذه الروح في الطلاب، فإنّا نمنحهم القوة الحقيقية في أنْ يكونوا بشرًا يضيئون حياة غيرهم، ولا يسمحون لظلّ الأذى أنْ يعبر صامتًا بينهم. ................... (1) تُحف العقول: ص45.