الغاية الكبرى

عهود فاهم العارضيّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 10

قال الله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ( (هود:108). يُولد الإنسان وفي نفسه ميل فطري للبحث عن السعادة، وهي غاية متجذّرة في كيانه وذاته، ولا يمكنه التغاضي عنها أو التخلّص منها، وهذا ليس أمرًا مذمومًا، بل على العكس، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد لعباده أنْ يتمتّعوا بنعمه والطيّبات من دون شعور بالذنب، وألّا يحرّموا ما لم يحرّمه سبحانه، بشرط التوازن، فلا إسراف ولا تحريم بدليل قوله تعالى: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( (الأعراف:32)، وكلّ الطيّبات تجلب السعادة الدنيوية للعبد المفطور عليها منذ نشأته، فالإنسان يجد لذّته في الطيّبات، ويأنس بالأصدقاء، ويحزن بالمصائب، لكن عليه أنْ يدرك أنّه مهما تساهل في أمر السعادة والتمتّع بالطيّبات، فعليه ألّا ينسى أمرين مهمّين: أولًا: إنّ الغاية الأساسية من هذه الحياة الدنيا بما فيها من ملذّات، هو الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة، إذًا فليجعل غايته الأساسية من استحصال السعادة في الدنيا هو الفوز بالسعادة الكبرى في الآخرة. ثانيًا: عدم الانغماس في سعادة اللحظة الحاليّة، بل الاعتدال فيها، فالإنسان لا ينبغي له أنْ يقضي عمره ويستهلك طاقته في أحداث عابرة أو متع مادّية حسية زائلة، متجاهلًا حقيقة البُعد الآخر؛ لأنّ هذا الانغماس يحجب البصيرة عن اختيار طريق السعادة الحقيقيّة. والمرأة اليوم مدعوّة لتتأمّل بوعي وبصيرة في الحياة الدنيا أكثر من أيّ وقت مضى، وأنْ تنظر نظرة شموليّة إلى حياتها؛ لتحقيق السعادة الحقيقيّة التي تُبنى عَبر مسيرة واعية تحسن فيها المرأة الاختيار، وتوازن بين دورها في الدنيا واستعدادها للآخرة، وهذا يتطلّب استثمار نِعم الله تعالى من قلب حيّ، وعقل راجح، وضمير يقظ، فتحسن التأمّل والتفكّر، والإصغاء لنداء الوجدان، فتقطف ثمار ذلك بأنْ تستضيء بهدي الباري ورسالاته، والعمل بما فيها من توجيهات تكشف طريق الصواب، وتنجي من الغفلة، وهذا التأمّل العميق لا يجعل المرأة تنشغل بما هو ثانوي، أو تفرّط بما هو جوهري فلا تخسر فرصتها الحقيقيّة في بناء سعادة متوازنة، ومن هذا المفهوم، تنطلق المرأة لتطوير نفسها، وتفعيل طاقاتها في خدمة بيتها وأسرتها، وأنْ تؤمن في أعماقها وتوقن في داخلها أنّ هذه الخدمة هي رسالة سامية تُؤدّى بوعي ومحبّة، مستعينة بحكمتها في إدارة شؤون البيت، وحُسن تبعّلها، ومحصّنة نفسها بالعلم والمعرفة على نهج محمّد وآل محمّد (صلّى عليه وآله وسلّم).