وهم التواصل وحقيقة الانقطاع
مع تسارع إيقاع الحياة، صار الوصول إلى الآخر أسرع من أيّ وقت مضى، وقد يُعدّ هذا الأمر من مميّزات القرن المعاصر لما أضاف إلى الواقع حدثًا يشبه المعجزة، غير أنّ هذه السهولة لا تعني بالضرورة اكتمال هدف اللقاء، فبينما تتقارب المسافات المجازية، تتباعد القلوب منغلقةً خلف الأبواب، في هذا الواقع المفروض تحتفظ الأعياد بذاكرتها العتيقة، كأنّها تحاول جاهدة الحفاظ على آخر ما تبقّى من طقوس اللقاء الحقيقي، إذ تكتنز في تفاصيلها وقع الخطوات على عتبة الدار، ورائحة الشاي المتصاعدة، وتواتر الضحكات عند عناق الأحبّة. لا تختلف الصباحات كثيرًا بين بنغلاديش والعراق، إنّه إيذانٌ ببدء العمل في كلّ مكان، فعندما قدمتُ من قرية (سونارغاون)، كانت تغلّفني هالةُ خوفٍ من المجهول الذي يشزرني بأنيابه البارزة، لكن شاءت الأقدار أنْ أعمل عند عائلة صغيرة مكوّنة من عجوزٍ وزوجها يسكنان وسط المدينة، كان هذا اليوم مختلفًا، أصرّت الجدّة على تنظيف عميق وتجهيز الدار لاستقبال الضيوف والأبناء والجيران. بدأتُ بكنس عتبة الدار الطينية ورشّها بالماء، ثم استبدلتُ غطاء الطاولة الذي بهت لونه، ورصفتُ بعدها قطع الحلوى التي قمنا بتحضيرها ليلة العيد في صحنٍ خزفيٍّ فيه ثلمةٌ صغيرة تدلّ على عمره المديد. كان الجدّ جالسًا على الأريكة يقلّب الصحيفة ببرود، وهو ينظر بين الحين والآخر إلى الساعة ودقّاتها الرتيبة من فوق الصفحات. كنتُ مشغولةً بغسل صواني الفرن عندما نادتني أمّ جاسم: ـ شاميمة، انتبهي إلى طرق الباب، ربّما يأتي أحد. حرّكتُ رأسي بالإيجاب، وبعد الانتهاء من كلّ الأعمال جلستُ أمام الباب أمارس طقوس انتظارٍ لا يخصّني، حتى إنّني تخيّلتُ صوت الطرقات عدّة مرّات. أبدى الجدّ اهتمامًا أقلّ، لكنّه كان يقوم ويفتح الباب بين الحين والآخر، ثم يأخذ جولةً في البيت ويجلس مرّةً أخرى على الأريكة نفسها، أوشك النهار على الانتهاء، وبدأت قطع الحلوى تفقد رائحتها الزكية في الصحن الخزفي العتيق، وعلت الوجوه خيبةٌ وشيكة، وفجأة رنّ الهاتف، كان اتصال فيديو من ابنهما الكبير. سلّم وبارك العيد، ثم استأنف: ـ أمّي، كنّا على وشك الخروج إلى نزهة، ربّما نزوركما في وقت لاحق. وبينما هو يتحدّث، ظهرت خلفه فتاتان صغيرتان تلعبان بمرحٍ ونشاط، جاءتا وسلّمتا على جدّتهما، قرّبت العجوز الهاتف ليسلّم الجدّ عليهما أيضًا، تناولا أطراف الحديث، ثم انتهى الاتصال في دقائق معدودة، انتهى الصخب، وعاد كلّ شيء مثلما كان. أخذتُ الهاتف من يد الجدّة حتى أعيده إلى مكانه، بدت صفحة الهاتف مليئة بالورود التي تنقصها الرائحة، وبالتهاني التي تفتقر إلى الصوت، وبصور الحلويات الخالية من الطعم، أﻤّا صوت الإشعارات فمتواصل؛ لكنّه مختلفٌ جدًا عن صوت الفتاتين المرحتين عبر الهاتف. بقيت عتبة البيت ساكنة، تختزل عمق المشاعر في أداءٍ رقمي يريح الضمير ولا يثير أيّ حدث، بل يعكس برودًا عاطفيًا يستهين بدفء الأحاسيس. اكتشفتُ كم أنّ هذه الوسائل تخفي ركامًا من الانقطاع، محفوفًا بهالةٍ من الزيف الملتبس على الوجوه التي سوف تعود إلى رشدها عندما ترفع رأسها من صفحات الهاتف؛ لتجد أنّ الجدّ والجدّة قد التحقا بالرفيق الأعلى، والأبناء قد كبروا، والصحّة غادرت الجسد في وقتٍ ضائع، كلّ شيء قد تغيّر من دون وعي، كلون يبهت من ثوب جديد لا ننتبه إلى اختفائه. ربّما لا تُهدم هذه العلاقات دفعةً واحدةً؛ لكنّنا نسمح لها أنْ تذبل بهدوء يومًا بعد يوم، فتتآكل بذلك المفاهيم الاجتماعية والعرفية التي توارثناها على مدى قرونٍ طويلةٍ، وهي التي قادت المجتمع الإنساني وحافظت على كيانه عارفة بكلّ الجوانب النفسية والغريزية بصورة بديهية أودعها الله تعالى في هذا الخلق البشري المتشابك. يمكن تجاوز أزمة الغياب عندما نعطي للحضور مساحة أوسع ونعيد تلميع العادات الأخلاقية، كالالتزام بالزيارات الدورية للآباء وكبار السنّ مهما كانت الظروف، وفرض قوانين تحدّ من استخدام الأجهزة النقّالة أثناء اللقاءات العائلية، وغيرها. عندما تتحوّل هذه الأمور إلى عادة جارية في كلّ عيد أو مناسبة، حتى أحيانًا من دون مناسبة، فسوف تمهّد الأجواء لتجاوز الكثير من الثغرات قبل التعثّر بها في مسيرة الحياة، ونكون بذلك قد هيّأنا الأرضية لجيل سليم، ينمو في ربيع الأيام معطاء ومتمسّكًا بتراثة الأصيل.