الجوار ماء عميق في إنسانيتنا
(الجوار) لغةً: الإقامة قريبًا من الشيء، ومنه: الأمان والعهد، ومنه: بينه وبين فلان جوار، ومنه الماء الكثير العميق، والجوار من الدار: طوارها وهو ما كان على حدّها وبحذائها، وجلس بجواره: بقربه، وهو في جواري: في عهدي(1). وعند البحث عن معاني الجوار، توقّفنا طويلًا عند تعريف الجوار بالماء الكثير العميق، ونقصد بذلك المعنى التدبّري الذي يُسقط على لفظ (الجوار) فهو بمنزلة الماء العميق بتعاملات الإنسانية واختبارها، والكثير بكثرة الحسنات التي يمكن أنْ ننالها، فالجار وصية نبيّ الرحمة (صلّى الله عليه وآله) لأمته، فعنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنّه سيورّثه"(2)، وبالعطف على هذا الحديث يقول الإمام عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): "اللّه اللّه في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتى ظنّنا أنّه سيورّثهم"(3). والجار هنا بمنزلة تداني صلة الرحم، وكان أهلنا يقولون الجار أقرب إلينا من الرحم، يقصدون الموقع الجغرافي، فبعض أرحامنا في أحياء ومحافظات أخرى تُعيقهم المسافة عن الحضور في الحال لظرف طارئ يستدعي ذلك، لكنّ الجار يحضر في الحال لتقديم النجدة والمساعدة والمشاركة في الأفراح والأتراح قبل وصول الأقارب، ولإسعاف مَن يحتاج إلى الإسعاف. ولا ننسى دَور الجيران في مساعدة الجارة التي يكون أهلها بعيدين عنها وفي محافظة أخرى، فيعونونها في تربية الأولاد، ولا يمانعون من بقاء أطفال الجيران أمانة عندهم حتى تقضي الأمّ أمرًا مهمًّا أو ينتهي وقت دوامها في حال كانت إمرأة عاملة، ومن عادة الجارات القديمات الضرب على جدار الجارة، فتجيب الجارة السامعة بالضرب على الجدار بيدها لتعرف الجارة الأولى أنّها موجودة في البيت، فترسل لها ممّا أعدّته لأسرتها من طعام، وهنا نستذكر حديث النبي (صلّى الله عليه وآله): "ما آمن بي مَن بات شبعان وجاره المسلم جائع"، وعنه (صلّى الله عليه وآله): "وما من أهل قريةٍ يبيت فيهم جائع ينظر اللّه إليهم يوم القيامة"(4)، فللجار حقّ الإطعام، فلا نستحي من تقاسم أبسط ما نأكل مع جيراننا، وتفقّد الأحوال التي يستدعي التقصير فيها ورود النار، مثلما رُوي عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام): "وأمّا حقّ جاركَ، فحفظه غائبًا وإكرامه شاهدًا ونصرته إذا كان مظلومًا، ولا تتّبع له عورة فإنْ علمتَ عليه سوءًا سترته عليه، وإنْ علمتَ أنّه يقبل نصيحتكَ نصحته فيما بينكَ وبينه، ولا تسلّمه عند شدائده، وتقيل عثرته وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة"(5). وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "حُسن الجوار يعمر الديار، ويزيد في الأعمار"(6). فهل يا تُرى حافظنا على وصيّة نبينا الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وهل أدّيناها؟ ويسأل هذا الزمان أهله: كم منهم يعلم هل جاره موجود في منزله أم غائب ليحفظ غيبته؟ وهل يعلم هل هو في عافية أو مرض فيعوده؟ وهل أقتسم معه طعامه؟ وهل نصره في شدّته، أم سلم إلى قطيعته واستعدّ للسؤال عنه يوم الدين. ........................... (1) موقع قاموس ومعجم المعاني عبر الرابط: https://www.almaany.com/. (2) بحار الأنوار: ج74، ص 151. (3) شرح نهج البلاغة: ج3، ص77. (4) أصول الكافي: ج2، ص668. (5) بحار الأنوار: ج74، ص2. (6) أصول الكافي: ج2، ص666.