فن التطريز.. لغة النساء الصامتة

بيداء حسن العوادي/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 55

لم يكن التطريز يومًا حرفةً عابرة أو ترفًا منزليًا، بل لغةً تُقال بالخيط حين تعجز الكلمات، هو فنٌّ هادئ، لكنّه مشحون بالمعاني، يحمل ذاكرة البيوت، فمع كلّ ثوب أستحضر صورته، أتذكّر خالتي كيف كانت في البداية ترسم على القماش ما تريد تطريزه أو تطبعه عَبر رسمات وقوالب جاهزة ثم تبدأ بتطريزه بماكنتها، فأقف إلى جانبها بانتظار اكتمال القطعة، وغالبا ما كانت تطرّز ملابس الأطفال، فكان وقع الرسومات على قلبي مختلف النغم، غرزةٌ تتلوها غرزةٌ كأنّها يد تسبّح بطريقتها الخاصّة، بلا عَجَلة أو ملل، بل بصبرٍ طويلٍ يشبه تربية الأبناء وبناء البيوت، إذ إنّ التطريز عملٌ لا يُرى أثره سريعًا لكنّه يدوم، ولهذا ارتبط التطريز بالمرأة؛ لأنّه فنّ يحتاج نَفَسًا طويلًا وقلبًا حاضرًا. لا تكون الغُرز عشوائية؛ فلكلّ نقش دلالته، ولكلّ لون حكايته، ففي التطريز الشعبي نقرأ خرائط الهوية والانتماء، فتُعرف بعض القرى بنقوشها والبيئة التي تميّزها بألوانها وبمرحلة اجتماعية تُترجمها الرموز، يختلف عن تطريز ثياب الأطفال التي تنبئ عن بداية فيها السعادة، ومثله تطريز ثياب العرائس الذي يرسم خيوط البداية لحياة جديدة. وفي البُعد الروحي يلتقي التطريز مع مفهوم الإحسان بأنْ تُتقن المرأة عملها ولو لم يره أحد، فالجمال هنا ليس للعرض، بل للنيّة، وللشعور الداخلي بأنّ ما يُصنع باليد يمكن أن يكون قربةً، فكثير من النساء يطرّزنَ وهنَّ يردّدن ذكرًا، أو يقرأنَ دعاءً، أو ينسجنَ أملًا لأبنائهنَّ، فيغدو القماش شاهدًا على دعاءٍ غير مكتوب. اليوم ومع تسارع إيقاع الحياة وهيمنة المنتوج الجاهز، يعود التطريز بوصفه فعلًا مقاومًا للسطحية واستعادةً الفنون الجميلة، هو تذكير بأنّ الجمال لا يُستهلَك، بل يُصنَع، وأنّ يد المرأة قادرة على أنْ تحفظ القيم مثلما تحفظ النقوش، هكذا يبقى التطريز لغة النساء الصامتة، لا تصرخ لكنّها لا تُنسى، لا تُدوَّن في الكتب لكنّها تُورَّث خيطًا بعد خيط، وجيلًا بعد جيل.