وتحسب أَنك جرم صغير (1)
عندما خاطب الله تعالى الملائكة قائلًا: )إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، تساءلت الملائكة عن سرّ خلق هذا الموجود الذي قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء وهم يسبّحون بحمده ويقدّسونه، أجابهم الباري (عزّ وجلّ) بأنّه يعلم ما لا يعلمون، وهو السؤال نفسه الذي يتبادر في أذهان الكثير من الناس عن الغاية والهدف من خلق الإنسان الذي يقع تحت تأثير المغويات المادّية فيكون ظلومًا، وجهولًا، وخائفًا، وعجولًا، وقتورًا. وقد يجيب العقل عن هذا السؤال أنّه لا سبيل إلى معرفة وجه الحكمة والهدف من الخلق إلّا عن طريق معرفة صفات خالق هذا الإنسان، وما دلّت عليه مخلوقاته من كونه عليمًا حكيمًا، والحكيم لا يلهو ولا يعبث، و(العبث).. نقص يحكم العقل بقبحه ولزوم تنزّه كلّ عاقل عنه، فكيف بالخالق تعالى وهو الكامل بالكمال المطلق. ومن سبل معرفة الهدف من خلق الإنسان النظرإلى ما زوده الله تعالى من الآلات والوسائل، وميّزه بها عن باقي مخلوقاته وما وهبه من القوى، فقد وهبه العقل والإرادة الحرّة وهما آلتان للكمال العلمي والعملي، فيعرف العقل حينها أنّ الهدف والغاية من خلق هذا الموجود هو تكامله والوصول به إلى أعلى مراتب الكمال، فهو موجود مادّي معنوي وله شخصية حرّة مستقلّة، وهو أمين الله سبحانه وله رسالة وعليه مسؤولية، وطلب منه أنْ يعمر الأرض بعمله وإبداعه، وله أنْ يختار أحد الطريقين: إمّا السعادة، وإمّا الشقاء، فقال تعالى: )إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا( (الإنسان:2). وإذا ما استنطقنا القرآن الكريم عن الغرض والغاية من خلق الإنسان، فإننّا سنجد بيانات متعددّة، منها الابتلاء، والاختبار، والاستخلاف، والعبادة، والرحمة، وقوله تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( (الذاريات:56)، من أوضح البيانات التي توضّح الهدف من خلق الإنسان، والعبادة لا تحمل مفهومًا سلبيًا لا من جهة العبد ولا من جهة المعبود، فالله تعالى هو الغنيّ بذاته عمّن سواه غير محتاج لعبادة خلقه، وأمّا من جهة العبد فإنّ حقيقة الإنسان بذاته عبدٌ لله تعالى وهي ترتكز على كونه مخلوقًا لله (عزّ وجلّ)، فالعبادة جُعلت سببًا إلى تكامل الإنسان وطريقًا إلى سعادته، فالحرّية ليست شيئًا آخرَ غير مسؤولية الإنسان تجاه إنسانيته، وأداء دوره بوصفه مخلوقًا سُخّر له ما في السموات وما في الأرض، فقال تعالى: )وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الجاثية:13)، ومن هنا كانت عبودية الإنسان لله (عزّ وجلّ) هي المرتبة العالية التي يتشرّف بها الإنسان، وتمثّل هدفًا ساميًا وقيمةً عُليا له، فالفائدة المستخلصة أنّ الهدف من خلقنا هو عبوديتنا لله تعالى وبها نتكامل، فالإنسان الحقيقي الذي هو خليفة الله تعالى في الأرض إنسان مع الإيمان، وهو بلا إيمان ناقص فيكون حريصًا، سفّاكًا للدماء وبخيلًا، ومقترًا وكافرًا، وأضلّ من الحيوان. ........................ (1) أعيان الشيعة: ج1، ص552.