رياض الزهراء العدد 230 أنوار قرآنية
الإعـلام والإنـسان.. قراءة في ضوء التوجيه القرآني
يشكّل الإعلام قوّة واضحة للتّأثير في وعي الإنسان، وبناء توجّهاته الفكرية والسلوكية في العالم المُعاصر الذي يشهدُ ثورة تكنولوجية متطوّرة ونامية بشكلٍ فائق السرعة، إذ تعدّدت مصادر الخبر وأنواعه وأجهزته، مثلما تنوّعت جهات الإعلام ووسائله، إذ نرى أنّ هناك الكثير من الدُخلاءِ على هذا المجال من الناقلين للأخبار ومُعدّي البرامج؛ ممّا أدّى إلى خلخلة الموازين الخاصّة بهذا الجانب، وانتشار تزييف الحقائقِ والمعلومات؛ ولأنّ القرآن الكريم دستور المُسلمين والموجّه الأساس لتقويم سلوك الإنسان، فإنّنا نرى العديد من الآيات القرآنية المُختصّة بهذا الأمر، ممّا يدل على أنّ الله سبحانه وتعالى أراد بالإنسان أنْ يسلك سلوكًا عقلانيًّا في مسألة تتبّع الخبرِ بغضّ النظر عن نوعه، وذلك عن طريق التفكّر والتأكّد من مصدره مهما كان قبل تصديقه ونقله. ولأنّنا أصبحنا أمامَ واقع مليء بالتحدّيات من ناحية التضليل الإعلامي والترويج للمعصية، فيجب علينا المواجهة والتصدّي لهذا النوع من الإعلام، متّخذين من كتاب الله تعالى منهاجًا، إذ عُني في مواطن عديدة بالخبر والقول ونقله بصورة واضحة في آيات دالّة صريحة للتعامل مع المعلومة، منها: 1- التثبّت من الخبر: يضع القرآن الكريم أساسًا معرفيًا راسخًا في التعامل مع الإعلام عن طريق الأمر بالتثبّت قبل قبول أيّ خبر، ومن هذه الآيات ما ورد في قوله تعالى: )يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُم نَادِمِينَ( (الحجرات: 6) ففي قوله تعالى نداء للتنبيه في تلقّي الآداب الإسلامية، وتخصيص في الخطاب للمؤمنين دون غيرهم في تلقّي الخبر والتأكيد على تبيّنه، أي تفحّصه، والتثبّت فيه والتحرّي عن صدقه، فالآية الكريمة تدعو إلى التثبّت في ترتيب الأثر على السماع، فملاك الحجّة في العمل النظر والمشاهدة (1). وهنا نلاحظ أنّ المؤمن يجب أنْ يتميّز عن غيره بتمحيص ما يسمع أو يرى من خبر أو قول، ولعلّنا اليوم بأمسّ الحاجة إلى التروّي في مسألة التعامل أو التعاطف مع الأخبار وتصديقها قبل بيانها وتحرّي أمرها، فكم تسعى العديد من جهات الإعلام المُعاصر إلى تشويه الحقائق وتزفييها، حتّى صارت أداةً للتلاعب بالشعوب وزعزعة ثوابتها ببثّ الشكوك، سواء أكان ذلك ممّا يتعلّق بالحوادث التاريخية ومحاولة تشويهها أم بتهويل الظروف التافهة لإحباط الإنسان، أو العكس في محاولة تقليل شأن الأمور والقواعد الحياتية المُهمّة؛ لجعل الإنسان يغضّ النظر عنها. 2- المسؤولية الأخلاقية للكلمة: إنّ محاولة التحرّي والتيقّن من الخبر قبل نقله من الصفات العظيمة وطريقة سلوك دالّة على حكمة وعمق تفكير صاحبها، وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمّية ذلك في قوله تعالى: )وَتَفَقّدَ الطّيرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِيِنَ لَأُعَذّبنهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأذبحنهُ أَوْ لَيَأتِينّي بِسُلطانِ مُبِين فَمَكَثَ غَيرَ بعيدٍ فقالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِط بهِ وَجِئتُكَ من سبإٍ بنبإٍ يَقِين( (النمل: 22). تتضمّن هذه الآية معانيَ عديدةً، منها ما يتعلّق بالخبر ونقله، فلمّا جاء (الهدهد) بخبر لم يكن النبي سليمان (عليه السلام) على علم به عبّر عنه بقوله (أحطتُ)، أي أدركتُ الأمر من جميع جهاته، تشبيهًا له بالسُور المحيط بما فيه، والنبأ الخبر المهمّ، وقد وصف الهدهد الخبر باليقين تأكيدًا على صحّته ولإبعاد الشكّ عنه (2)، ومن هنا نلاحظ أهمية التأكّد من الخبر قبل نقله لما يحدثه نقل الخبر من أثر في السامعين. 3- تحريم اتّباع الخبر بنيّة سيّئة: حرص القرآن الكريم على صيانة الجوارح من تلقّف الخبر وتتّبعه بدافع الفضول، فقد قال تعالى: )وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنّ السّمع وَالبَصَرَ وَالفؤاد كُلّ أُولئكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولا( (الإسراء: 36). وبذلك فإنّ قوله تعالى يتضمّن دلالة واضحة على أهمّية تتّبع الخبر، والحذر من اتّباعه من دون علم، وقد خصّت الآية السمع والبصر والفؤاد؛ لأنّها موارد إدراك الإنسان وتعقّله في تقليب الأمور قبل الخوض فيها دون علم، ولذلك تضمّن الكلام نوعًا من التهديد بذكر (مسئولًا) كناية عن المحاسبة، ولعلّ المعنى المستفاد من الآية أنّه: لا تقل سمعتُ ولم تسمع، ولا رأيتُ ولم ترَ، ولا علمتُ ولم تعلم، وقيل: هو شهادة الزور (3). إنّ القرآن الكريم يحرص على تقديم الخبر وعرضه بطريقة متوازنة، بعيدة عن التزوير والتهويل، ولذلك أشار ضمنًا إلى الصفات التي يجب أنْ يتّصف بها ناقل الخبر وهي التأكّد، واليقين، وعدم التتّبع بدافع الفضول، فضلًا عن ضرورة استعمال أساليب الحجّة والإقناع بعيدًا عن التلاعب العاطفي، فالقرآن الكريم حرص على بناء إنسان واعٍ في زمن الإعلام المفتوح، ولذلك نستشفّ أنّ التعامل مع الإعلام المعاصر يتطلّب عدّة شروط: 1. تنمية الوعي النقدي: فلا يسلّم المتلقّي بكلّ ما يرد إليه من محتوى من دون تفكير. 2. الاختيار الواعي للمصادر: بالابتعاد عن كلّ ما يثير الفتن والافتراء. 3. استعمال الإعلام لبناء قيم الخير: كالدفاع عن المظلوم، ونشر المعرفة، وتعزيز التضامن الإنساني. 4.الالتزام بأخلاقيات النشر. وممّا تقدّم نلاحظ أنّ القراءة في ضوء التوّجيه القرآني للعلاقة بين الإعلام والإنسان، تقتضي أنْ تكون الصلة بين الاثنين منطقية قائمة على التزكية لا التضليل والتدليس، وعلى البناء لا الهدم، فالقرآن الكريم وضع للمسلمين منهجًا متوازنًا في نقل الخبر وتلّقيه، إذ لابّد من أنْ يكون الخبر صادقًا، متثّبتًا، عادلًا بعيدًا عن انتهاك حقوق الآخرين. كلّما تقدّم الإعلام وتطوّر ازدادت الحاجة إلى المنهج القرآني ليكون ميزانًا يهذّب الممارسة الإعلامية، ويصون الوعي البشري من الانجراف وراء التيّارات المُضللّة. .................................... (1) التفسير التحليلي للقرآن الكريم، الدكتور عباس علي الفحام، ط1، 2023م، مؤسسة دار الصادق الثقافية: 7. (2) التفسير التحليلي للقرآن الكريم: ج11، ص21. (3) التفسير التحليلي للقرآن الكريم: ج8، ص218.