رياض الزهراء العدد 230 هندسة الحياة
من الانكسار إلى الانبهار
كثيرةٌ هي المحطّات التي نمرّ بها في مسيرة حياتنا، تتأرجح في قيمتها ومستوى الأهمّية لدينا، فمنها ما نمرّ به مرور الكرام، وبعد حين لا نكاد حتى نذكرها، بينّما هناك محطّات نتوقّف عندها وتحطّ الرحال، وعلى أثرها يتغيّر مسار الحياة إلى طريق ربّما يختلف تمامًا. في كلّ تلك المحطّات قد تتغيّر المشاهد بين الفينة والأخرى نتيجة العديد من الأسباب التي تتعلّق بما يملكه الإنسان من أفكار أو صور ذهنية تقولب سلوكياته، مثلما أنّ للبيئة المحيطة الأثر البالغ في وضوح الرؤية من عدمها، ومن تلك المحطّات التي لا تظهر على الملامح بل تترك آثارها محفورة في ثنايا القلب، قد يطلق عليها بعضهم عنوان الانكسار أو الخيبة، فتشعر حينها بأنّ شيئًا فيها قد تهشّم وتهاوى وما يرافقه من ألم نفسي وشعور مرير بالفشل والهزيمة، بينما هناك حقيقة تلوح في الأفق، تحتاج منّا بذل الجهد في إزالة الغشاوة عن العيون لرؤيتها ومعرفة الهدف السامي، فقد كانت تلك البعثرة والضياع التي شعرنا به هو لإعادة ترتيب الصورة على أكمل وجه. تتعالى الأصوات لتطرق أسماعنا الكثير من الجمل التي تقول للمرأة: كوني قوّية.. لا تبكي.. لا تضعفي عند كلّ خيبة أو خذلان على سبيل المثال، فيُطلب منها أنْ لا تتصدّع أبدًا، بينما حقيقة القوة هي في استخدام وسائل التعامل المناسبة لكلّ حدث، فتلك الأشجار الباسقة في عنان السماء لا تقف متصلّبة جامدة عند هبوب العواصف، بل تنحني، وتراها تتحرّك يمينًا وشمالًا لتتكيّف مع الصعوبات والمِحن الحاصلة، وذلك من استراتيجيات التعامل مع الشدائد، وهو ثمرة الوعي بمتقلّبات الحياة، ونتاج وجود جذور راسخة في أعماق المبادئ والقيم، فكلّ تجربة قاسية تزيدكِ حكمةً وتصقل شخصيتكِ لمواجهة أيّ حدث صادم. مَن منّا لم يشاهد أو يسمع بتجربة انكسار الضوء؟ إنّ زاوية الرؤية تؤدّي دورًا مفصليًا في الكثير من المواقف، فذلك القلم الموجود في كوب الماء نراه منكسرًا مائلًا، وقد يخطر في بالنا أنّه غير صالح للاستخدام ولكن بمجرّد إخراجه من الكوب نجده قلمًا سليمًا ولا تشوبه أيّ شائبة، ذلك ما يحدث تمامًا في حياتنا، فقد يرى الآخرون أنّ أمرًا معّينًا أحدث انكسارًا وخيبة لدينا، بينما الواقع إنّ ذلك الشخص قد خرج بصورة تجلب انبهار الآخرين بقوته وصلابته، وقدرة التعامل مع المواقف الصعبة، وقام بتحويل الأحداث إلى نقاط قوة لمستقبل أفضل، فتمخضّ عن الانكسار قوةً وانبهارًا.