رياض الزهراء العدد 230 استطلاع رأي
البلاستيك أحادي الاستخدام: التحديات الصحية والبيئية
شهدت السنوات الأخيرة اعتمادًا متزايدًا على الموادّ البلاستيكية في حياتنا اليومية، لاسيّما في قطاع الأغذية والمشروبات، نظرًا لسهولة استخدامها وانخفاض تكلفتها، لكن هذا الانتشار السريع أفرز تحدّيات جسيمة باتت تهدّد الصحّة العامة وتوازن النظام البيئي العالمي. يؤكّد الباحثون أنّ (البلاستيك) ليس مادّة خاملة، بل هو يتفاعل كيميائيًا، بخاصّة عند تعرّضه للحرارة، فيسبّب اضطراب الغدد الصمّاء عند تسخين الأواني البلاستيك في (الميكروويف) أو سكب الطعام الساخن فيها، فتتسرّب مواد كيميائية كـ(BPA ـ بايسفينولA) والفثالات، هذه الموادّ تحاكي الهرمونات الطبيعية في الجسم، ممّا قد يؤدّي إلى مشاكل في الخصوبة، واضطرابات النمو، وزيادة خطر الإصابة بالأورام. تراكم الجزيئات الدقيقة (الميكروبلاستيك): أثبتت الدراسات أنّ هذه الجزيئات يمكن أنْ تنتقل إلى الأطعمة أو تتسرّب عبر الجلد، وخطرها يكمن في التراكمية، إذ يؤدّي الاستهلاك المستمرّ على المدى الطويل إلى تأثيرات صحّية غير ملموسة آنيًّا، لكنّها كارثية مستقبلًا، وينتهي المطاف بنفاياتنا في المحيطات، ممّا يهدّد الحياة البحرية بالنفوق، فالأسماك تبتلع جزيئات البلاستيك الدقيقة، وبدوره يقوم الإنسان باستهلاك هذه الأسماك، ممّا يغلق دورة السموم ويعيدها إلى أجسامنا مجدّدًا. إنّ الاعتماد المفرط على البلاستيك هو أزمة تراكمية لا يمكن حلّها بين يوم وليلة، لكنّ الوعي بمخاطر التسخين والتخزين الطويل يمثّل خطوة أولى وضرورية للحدّ من هذه الظاهرة، فالمسؤولية جماعية، تبدأ من قرارات الفرد الواعي وتتطلّب سياسات أكثر صرامة تجاه التغليف البلاستيكي. وتشير التقارير المنشورة في عاميْ (2024-2025م) إلى أنّ نموّ قطاع توصيل الطعام والوجبات السريعة هو المحرّك الرئيس لهذا الاستهلاك، وقُدّر استهلاك العالم من أدوات المائدة البلاستيكية بأكثر من (12) مليار قطعة في عام (2023م)، ويُتخلّص من (100) مليون قطعة تقريبًا يوميًا في الولايات المتحدة وحدها. وبلغت قيمة سوق أدوات المائدة البلاستيكية ما يقارب (2.59) مليار دولار عام (2024م)، ومن المتوقّع وصولها إلى (2.94) مليار دولار بحلول عام (2033م). ويشكّل البلاستيك المستخدم لمرّة واحدة (40%) من الإنتاج العالمي، ولا يُعاد تدوير (91%) منه، علمًا أنّ بعض الأواني قد تحتاج إلى (1000) عام لتتحلّل، واتّفق المعنيون على ضرورة تبنّي نهج واعٍ للتقليل من هذا الاعتماد. سألنا مجموعة من النساء: كم نسبة اعتمادكِ على الموادّ البلاستيكية، ولماذا؟ أجابت الدكتورة إكرام الحسيني: البلاستيك يغزو حياتنا، ممّا يمثّل مسؤولية شرعية وأخلاقية تجاه أنفسنا والبيئة، يجب تقليل الاستخدام قدر الإمكان، شخصيًا أعتمد قيودًا صارمة، فلا أضع البلاستيك في المجمّدة، ولا أستخدمه للأطعمة الساخنة، وأستخدمه للأطعمة الباردة فقط. وقالت طبيبة الأسنان إيلاف فاضل: المشكلة تكمن في طبيعة الاستخدام المتكرّر، فالبلاستيك الذي نستخدمه يوميًا يسبّب خللًا هرمونيًا نتيجة تراكم الجزيئات، والحلّ يكمن في تقليل مدّة حفظ الطعام داخل البلاستيك، وتجنّب ترك المياه في القوارير البلاستيكية لمدّة طويلة، فكلّما طالت المدّة، زادت مخاطر التسرّب الكيميائي. وبيّنت المحامية نهى النصراوي: أنا أعلم جيدًا أنّ البلاستيك يمثّل خطرًا حقيقيًا على صحّة عائلتي، بخاصّة حين أرى المياه المعبّأة في قوارير بلاستيكية تُخزّن في الشمس، وفي درجات حرارة عالية، لكن المشكلة ليست في الوعي فحسب، بل في تغوّل البلاستيك في حياتنا، فكلّ شيء نشتريه مغلّف بالبلاستيك، من الخبز إلى الخضروات، والبدائل الزجاجية أو الورقية غالبًا ما تكون أغلى ثمنًا أو غير متوافرة بسهولة، أحيانًا أشعر بالعجز، فبينما أحاول تقليل استخدامه في منزلي، أجد نفسي مضطرّة إلى شراء وجبات جاهزة في أوانٍ بلاستيكية بسبب ضيق الوقت أو نمط العمل. نحن نحتاج فعلًا إلى مبادرة وطنية أو توعية مجتمعية توفّر بدائل اقتصادية للناس، فالتوعية وحدها لا تكفي ما لم يتوافر البديل الميسور الذي يغنينا عن سموم البلاستيك، ولا يقتصر الحلّ على المبادرات الفردية فحسب، بل يتطلّب تحوّلًا جذريًا في الإنتاج والاستهلاك، ويرى الخبراء أنّ المواجهة الفعّالة لهذه الأزمة تتطلّب تضافر جهود أطراف ثلاثة: 1_ المستهلك الواعي: أنْ يتبنّى ثقافة الاستغناء التدريجي عن البلاستيك أحادي الاستخدام، واستبداله ببدائل صديقة للبيئة كالفخار، والزجاج، والستانلس ستيل، وتُعدّ هذه الخطوة جدار الصدّ الأول لتقليل الطلب في السوق. 2_ القطاع الصناعي: يجب على الشركات المصنّعة للأغذية والوجبات السريعة تحمّل مسؤوليتها الأخلاقية في ابتكار بدائل تغليف قابلة للتحلّل الحيوي بالكامل بدلًا من التمسّك بالبلاستيك الزهيد الثمن الذي يحمل تكاليف بيئية وصحّية باهظة الثمن على المدى الطويل. 3_ التشريعات الحكومية: لا يمكن التعويل على الوعي الفردي وحده، فالدول التي نجحت في تقليل استهلاك البلاستيك، قد فرضت قيودًا قانونية صارمة، كحظر الأكياس البلاستيكية، أو فرض ضرائب بيئية على الأدوات ذات الاستخدام الواحد، ممّا دفع المصنّعين إلى البدائل المستدامة. إنّ أزمة البلاستيك ليست خيارًا شخصيًا، بل هي تحدٍّ حضاري، والتغيير يبدأ بممارسة يومية مدروسة، لكنّه يكتمل بسياسات تشريعية تضع صحّة الإنسان وسلامة الكوكب فوق اعتبارات الربح السريع.