رياض الزهراء العدد 230 الحشد المقدس
قلب أمّ وعشرون صورة
أضعها إلى جوار بطاقتي الشخصية في محفظتي لترافقني في تفاصيل يومي كافّة، حضورها الصامت يغنيني عن حديث الآخرين، ويمنحني سلوى لا تحتاج إلى كلمات، مع امتداد الأيام أخذت ملامحها تميل إلى العتق، خفت أنْ يطالها المحو فحملتها معي في طريقي إلى إحدى المطابع، علّهم يجدّدون حضورها، ويبقون ملامحها مثلما أحببتها أول مرّة. عدتُ إلى البيت أسير على قدمٍ واحدة، بعدما جرحتني الأخرى إثر سقوطي على الأرض، إلّا أنّني كنتُ أشعر براحةٍ عميقة، لأنّني جدّدت رفيقتي الدائمة وألصقتها على المرآة، لأراها كلما استيقظتُ من النوم فكانت وجهي الذي أحبّ وأنس لقلبي وروحي، بعدما أثقلني التعب وأمضيتُ يومًا كاملًا متنقّلة بين ممرّات إحدى الدوائر الحكومية، لاستكمال معاملة راتب الرعاية الاجتماعية، ألقيتُ بجسدي المنهك على السرير وقد شدّ انتباهي أنّ سريري يخلو من الروح لا لون له سوى الحزن، عندها شعرتُ بأنّني أحتاج إلى نسخٍ كثيرة، قرّرتُ أنْ أحملها معي في الغد، في طريقي إلى استكمال ما تبقّى من إجراءات المعاملة، لا سيّما أنّ المطبعة قريبة جدًا من الدائرة بقيتُ أفكّر بعدد النسخ حتى غافلني النعاس. قلتُ له: عليّ، يا بُنيّ، ما أبهى هذا المكان! ماذا يسمّونه؟ أجابني بهدوء: الجنّة يا أمّي. سألتُه: وهل هذا بيتكَ؟ أجاب: نعم، إنّه بيتي. سألتُه بلهفة المشتاق: هل لي غرفة معكَ؟ قال بهدوءٍ مطمئنّ: بل البيت كلّه لكِ يا أمّي. ثم أخبرتُه بحماس: إنني أعددتُ حقيبتي وكلّ ما تبقّى هو راتب الرعاية، وسألحق بكَ قريبًا. فقال: يا أمّي، لا حاجة لكِ براتب الرعاية هنا كلُّ شيءٍ مجّاني، لا تشغلي بالكِ. قطع أذان الفجر صوت عليّ، استيقظتُ مشتاقةً يأكلني الحنين، كان حلمًا وددتُ لو يستمرّ، فليس لديّ طاقة لمواجهة الحياة يومًا آخر من دونه، بدأ يومي بالذهاب إلى تلك الدائرة المتهالكة لأكمل تلك الإجراءات المتعبة، ولم يتبقَّ سوى صرف راتب الرعاية، لكن جائزتي الكبيرة عندما عدتُ إلى البيت أحمل معي (20) نسخة من رفيقتي، إضافةً إلى رقم هاتف أحد الموظفين هناك، جارنا (سعيد) حتى لا أضطرّ إلى الذهاب إلى تلك الدائرة مرّةً أخرى، وعدني بأنّه سيبلّغني عند نزول الراتب. بعد أسبوع طرق (سعيد) الباب حاملًا معه الراتب، ظلّ يطرق مرارًا من دون أيّ إجابة، ظنّ أنّ الدار فارغة، فانصرف ليعود في وقتٍ آخر من ذلك اليوم، لكنّ الصمت بات هو الجواب، ولأنّ سعيد كان صديق عليّ الذي استُشهد امتثالًا لفتوى المرجعية العليا، فقد كان يعلم يقينًا أنّ الحاجّة (أمّ عليّ) تسكن لوحدها. لم يمضِ وقتٌ طويل، حتى عرفوا أنّ (أمّ عليّ) غادرت الحياة، تاركةً وراءها (20) نسخة من صورة ابنها الشهيد بعدد سنيّ عمره، وزّعتها في أركان البيت، كأنّها أرادت أنْ تتركه حاضرًا في أثناء غيابه في كلّ زاوية إلى آخر العمر.