جسد يمضي وقلب مقيم

زينب كاظم التميميّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 49

ما تزال خطواتي تتعثّر، الوقت يمضي وينطوي، لكنّ الأرض بدت واسعة لا نهاية لها وأنا أتطلّع إلى رؤية منارة ذهبية تشبه الشمس بدفئها وضوئها؛ مختلفة، كبيرة، كأنّها تحوي هذه الجموع القادمة.. هناك حيث يذوب الفرد في الكلّ وتتلاشى العناوين والأسماء، وجدتُ نفسي في لجّة الزحام المقدّس.. لم يكن زحامًا للأجساد بقدر ما كان تدافعًا للأرواح الظمأى إلى نبع الضياء، فعند الضريح تخرس الألسن، وتتحدّث الأصابع التي تتشبّث بالقضبان الفضية كالغريق الذي وجد طوق نجاته الأخير.. في تلك البقعة المباركة يمتزج النحيب بالدعاء، ويفوح أريج الحبّ والأُنس ممزوجًا بأنفاس الصادقين.. نظرتُ من حولي، فرأيتُ وجوهًا أتت من أقاصي الأرض، كلًّا يحمل جرحًا مختلفًا، لكنّهم جميعًا يلوذون بالحِمى ذاته، رأيتُ عجوزًا أضنتها السنون تمسح الضريح بمنديلها، ثم تضعه على وجهها كأنّها تستمدّ من برودة المعدن حرارة اليقين.. وفي زاوية أخرى رأيتُ فتاةً أغمضت عينيها بقوة، كأنّها تُفرغ في حضرة الإمام أثقال ذنوبها وخيباتها، واثقةً أنّ المقصود لا يردّها خائبة.. لم تكن يداي هي التي تلمس الضريح، بل كان قلبي هو الذي يقبّل أعتاب الرضا (عليه السلام)، في لحظةٍ توقّف فيها الزمن، وصار العالم كلّه يختصر في تلك المسافة الصغيرة بين الكفّ والفضّة، وبين العبد وربّ الرضا (عليه السلام). خرجتُ إلى الصحن المطهّر، ترتجف قدماي، أجرّهما كأنّي أجرّ جثّة هامدة، جلستُ لأستريح، وبعد إنْ التقطتُ أنفاسي، اكتحلت عيناي بضياء منارته فارعة الطول مع رايته الخضراء التي نُقِش عليها )نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ( (الصف:13)، وهنا بدأتُ أتأمّل في معنى النصر، هل هو انتصارنا على العدوّ، أم أنّ المقصد أوسع وأعمق؟ توصّلتُ إلى مقصد الآية، فالنصر ليس صليل سيوف وغلبة عسكرية فحسب، بل انتصار الإنسان على نفسه، وتحرّره من قيود جسده الطيني ليرتقي إلى سماء الروح.. هنا في (طوس) لا تُقاس المسافة بالأقدام، بل بنبضات القلب الذي يتخلّص من أدرانه مع كلّ خطوة، نحن لا نذهب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) لنشكو من ضيق الرزق فحسب، بل لنشكو ضيق صدورنا بأنفسنا.. هنا علينا أنْ نمارس عبادة التخلّي، التخلّي عن الكبر، فالحضرة لا يدخلها إلّا مَن انحنى تواضعًا لله تعالى، والتخلّي عن الضغينة، فالغريب الذي احتضن الغرباء بقلبه لا يقبل في رحابه قلبًا يحمل غلًّا لأحد.. حين نقف بين يدي (أنيس النفوس) تتعلّم النفس في مدرسة الرضا (عليه السلام) أنْ ترضى بما قسم الله تعالى لها؛ ليرضى سبحانه عنها، فتصبح عواصف الدنيا من حولها مجرّد نسيم عابر.. هنا تصبح الصلاة معراجًا حقيقيًا للروح، وتصبح الدمعة وسيلة لغسل الرماد الذي تراكم فوق الفطرة.. بقيت كلّ يوم أتأمّل المقصود من النصر، حتى انقضت الأيام الأربعة في ضيافة الإمام الرؤوف كأنّها حلم خاطف، أو كسجدة طويلة لم نشبع منها.. الآن أقف في تلك الزاوية التي شهدت انكساري وانجباري لأقول: وداعًا.. لكنّه ليس وداعًا لمكان بل هو وداع لقطعة من روحي سأتركها هنا وديعة عند إمامي.. أخاطبه كأنّي أراه بجبينه الوضّاح وعينيه اللتين تفيضان حنانًا، تحدّثت معه كثيرًا، وقلتُ: يا غريب الغرباء، يا مَن علّمتنا أنّ الغربة هي غياب المعنى لا غياب الأوطان، ها أنا أخلع روحي عند بابكَ وأمضي بجسدٍ خاوٍ، علّني أعود إليكَ يومًا وقد نضجت ثمار الصبر في قلبي.. خرجتُ من الصحن المطهّر والمنارة الذهبية تخبو شيئًا فشيئًا أمام ناظري، لكنّها زادت وهجًا في صدري.. ودّعته بشخصه كأنّ يده الحانية ما تزال تمسح تعب روحي المثقلة، كأنّ صوته الشريف يقول: "مَن زارني على بُعد داري جئته يوم القيامة في ثلاثة مواطن"(1). غادرتُ مشهد الرضا (عليه السلام) وأنا أحمل المشهد كلّه في داخلي، فمشهده ليس ضريحًا يُزار، بل هو منهج حياة يُستصحب في الدروب الوعرة. ................... (1) من لا يحضره الفقيه: ج2، ص584.