السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) أنموذج الأخوة الرسالية والصبر على المصائب

زهراء سالم الجبوريّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 12

تمثّل العلاقة الأخوية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بُعدًا رساليًا عميقًا، يتجاوز الإطار الأسري إلى مستوى الشراكة في تحمّل المسؤولية الإلهية والدفاع عن خطّ الإمامة، وقد تجلّى هذا المعنى بأبهى صوره في علاقة السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) بأخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ شكّلت هذه الأخوّة أنموذجًا فريدًا للتكامل بين الإمامة والرسالة الإعلامية والوجدانية المصاحبة لها، وعلى النهج ذاته تبرز علاقة السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) بأخيها الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بوصفها امتدادًا لهذا الأنموذج الرسالي، وإنْ اختلفت الظروف وتنوّعت الميادين. لم تكن أخوّة السيّدة المعصومة والإمام الرضا (عليه السلام) مجرّد رابطة نسب، بل كانت أخوّة وعي وولاءٍ عميق، قوامها المعرفة بمقام الإمام، والإيمان بدوره الإلهي في قيادة الأمّة، والاستعداد لتحمّل تبعات هذا الإيمان مهما بلغت التضحيات، ومثلما وقفت السيّدة زينب (عليها السلام) إلى جانب الإمام الحسين (عليه السلام) في أحلك الظروف، وأسهمت في حفظ نهضته وإيصال رسالته، جسّدت السيّدة المعصومة (عليها السلام) بروحها المخلصة وهجرتها في سبيل الله تعالى صورة الأخوّة الرسالية التي ترى في نصرة الإمام واجبًا إلهيًا لا يقف عند حدود المكان أو السلامة الشخصيّة. وبعد أنْ أُجبر الإمام الرضا (عليه السلام) على قبول ولاية العهد بدعوة من المأمون العبّاسي، واضطراره إلى مغادرة المدينة المنوّرة متّجهًا إلى (مرو)، بدأت لحظات الفراق المؤلمة بينه وبين أخته السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) التي نشأت في كنفه، وتربّت على يديه، ونهلت من فيض علمه وسموّ أخلاقه، وقد أسهم هذا القرب الروحي والعلمي في توثيق العلاقة بينهما، فالإمام الرضا (عليه السلام) هو خليفة والده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وكانت السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) خير بناته وأكثرهنَّ تميّزًا. لم يكن الفراق عابرًا أو عاديًا، إذ كان الإمام الرضا (عليه السلام) يعلم بعلمه الإلهي، أنّ هذه اللحظات تمثّل وداعًا أخيرًا، فجمع عياله وأهل بيته، وكان من بينهم أخته السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وأمرهم بإقامة مأتمٍ من البكاء والنحيب ليُسمع صوت حزنهم في مشهدٍ يستحضر ما فعله جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) حين جمع أهل بيته وودّعهم، وودّع أخته السيّدة زينب (عليها السلام) وهو يستشرف طريق الفداء والشهادة، في مشهد يعبّر عن عمق الفاجعة وقرب الرحيل، قبل أنْ يغادر المدينة المنوّرة متّجهًا إلى (مرو)، في رحلةٍ لم تكن سوى بداية لفصل جديد من المعاناة والفراق، تمامًا مثلما كانت رحلة الإمام الحسين (عليه السلام) بداية لمسارٍ آخر من التضحية الخالدة. وبعد عامٍ من فراق السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) لأخيها الإمام الرضا (عليه السلام)، بعث إليها الإمام كتابًا يدعوها إلى الالتحاق به، وأمر غلامه بإيصاله بسرعة، مع تزويده بمكان البيت لتسهيل الوصول، وما إنْ وصل الكتاب إليها حتى استعدّت للسفر بشوق ولهفة، متطلّعة إلى لقاء أخيها، مثلما كان أهل بيت الرسالة يتطلّعون دومًا إلى بركة وجود الإمام (عليه السلام)، فقد خرجت السيّدة المعصومة (عليها السلام) في ركب ضمّ بعض إخوتها وأقربائها، فيما خرج ركب آخر لإخوان الإمام الرضا (عليه السلام) في طريق مختلف، إلّا أنّه واجه مصائب جسيمة من قتل الأحبّة وتشريد المرافقين، وهذا يعكس ما عاشته السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) حين فارقت أخاها الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وشهدت استشهاد إخوتها وأهلها أمام عينيها، وواجهت شتى صنوف الابتلاء والظلم. وعلى الرغم من قسوة هذه المحطّات، لم تعرف السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) معنى الضعف أو الانكسار؛ بل واجهت الشدائد بقلب ثابت وعزيمة لا تلين، ووقفت في وجه الجبابرة بشموخ وإباء، فكانت في لحظات الألم شعلة صبر تنير الدرب للآخرين. وبعد هذه الفواجع، أُصيبت السيّدة المعصومة (عليها السلام) بالمرض في أثناء الطريق، فسألت عن مدينة (قم)، واتّجهت إليها إذ استقبلها أهلها بوقار واحترام، ومكثت (17) يومًا، قضتها في العبادة والخشوع، محتسبة الألم والمصاب، حتى وافتها المنيّة من دون أنْ تتحقّق أمنيتها بلقاء أخيها الإمام الرضا (عليه السلام). اليقين..