وحيد كأحبته جواد الأئمة (عليهم السلام)
لم يكن السمّ جديدًا على بيت تعوّد أهله تجرّع كؤوسه مع الصبر، ولم تكن الغربة جديدة عن آل بيت كُتب عليهم أنْ يرحلوا عن الدنيا غرباء بفعل الظلم. محمّد بن عليّ الجواد (عليهما السلام) إمام لم يُمهله الطغاة، فأجهزوا عليه وهو في ريعان شبابه. فإمامته المبكّرة أوجعت صدورهم التي أغلقت نوافذها، فباتت مستعمرة للشيطان وخططه القذرة، حكمته العالية وأخلاقه الرفيعة قهرت كلّ حيلهم الوضيعة، إفاضاته النورانية أربكت نفوسهم المترعة بالحقد والأنانية، ولا تزال كلمات والده بحقّه: "هذا المولودُ الذي لم يُولدْ في الإسلامِ مثله، مولودٌ أعظمُ بركةً على شيعتِنا منه"(1) تقضّ مضاجعهم، وما رأوه من هذا الوليد سلبهم حقًّا بهجة سيطرتهم، وانتزع من قلوبهم نشوة غطرستهم. كان هدوؤه الذي يحيي النفوس كأنّه الغيث المنهمر، وإجاباته التي تعجز سائليه زلزال يطيح بعروشهم التي قامت على الكذب والقهر، أرادوا محاصرته بالحرس والعيون، فأفشل مساعيهم، ومضى ثابت الخطى يبلّغ رسالة جدّه الأمين. وحين أمتلأ إناء النفاق بالغيظ ولم تتحمّل العتمة ألق الصدق، قرّر أصحاب الضلالة إسكات صوت الحقّ، فسلكوا النهج القديم ذاته، ودسّوا إليه السمّ؛ ليُقاسي آلام النهاية غريبًا كأجداده الطاهرين، وحيدًا كأحبّته. ودُفن إلى جوار جدّه، كأنّ رحلة غربته لا تكتمل إلّا عند عتبة جدّه غريب بغداد، موسى بن جعفر (عليهما السلام). واليوم حين نستذكر كلّ هذا التاريخ المليء بالألم، ونبكي على الإمام الذي استُشهد بالسمّ، يجدر بنا أن نتأمّل، ونسبر غور الذكرى؛ لنتكامل، ونخرج بزاد يُعيننا على إكمال مسيرنا، وحُسن التأسّي بإمامنا، فالصراع لا يزال مستمرًّا بين الحقّ والباطل، ولكلٍّ أهله، والسؤال المهمّ: أين نحن؟ ومع من نقف اليوم؟ هل خدعنا بريق الدنيا وجعلنا نتنازل عن هويّتنا وننسلخ من قيمنا؟ أم لا نزال نقبض على الجمر في انتظار صاحب الأمر؟ فالعاقبة للمتّقين، والزوال للظلم والظالمين، فيا سعد من ثبت على الدرب، ولم يخضع لرنين الفضّة والذهب، وهنيئًا لمن تعلّق قلبه بمولاه، ولم يسع في دنياه إلّا لرضاه جلّ في علاه، وطوبى لمن لم يركن إلى زخرف فانٍ، ولم يكن عبدًا للنفس والهوى والشيطان، ومدّ يد السؤال بباب جواد الآل، متوسّلًا بمقامه إلى الله (عزّ وجلّ) أنْ يتقبّله في زمرة عباده المؤمنين، ويجعله من المتمسّكين بمحمّد وآله الطاهرين ( صلوات الله عليهم)، من الذين يحيون أمرهم بالسير على نهجهم، واقتفاء أثرهم، وتحويل كلّ ما نهلوه منهم إلى سلوكٍ يحكي صدق الارتباط بهم (صلوات الله عليهم). .................... (1) الكافي: ج6، ص361.