دحو الأرض وتوازن النظام الكوني في القرآن الكريم
إنّ حادثة دحو الأرض من الأحداث التأسيسيّة الكبرى في منظومة الخلق، فهي تمثل مرحلة فاصلة بين الإيجاد الأولي للمادّة الأرضيّة، وبين انتقالها إلى طور الصلاحية للحياة والاستقرار. فهي حلقة في ضمن نسق إلهيّ متكامل يقوم على التدرّج في الخلق، والتقدير في التدبير، وربط الغايات بمقّدماتها على نحو ينسجم مع الحكمة الإلهيّة. وذكر القرآن الكريم مراحل خلق الأرض، مشيرًا إلى تسويتها، وبسطها، وإخراج خيراتها: )والْأرْض بعْد ذلِك دحاها( (النازعات: 30)، والمتأمّل في الآية الكريمة يتّضح له أنّ الدحو والإعداد هو منهج قرآنيّ متكامل، فالله سبحانه وصف خلق الأرض وأبرز حكمة خلقها، ممّا يجعل كلّ فعل في الكون مشحونًا بالهدف والمعنى، ويكشف عن البنية الوجوديّة الصالحة لحمل التكليف، إذ إنّ دحوها وبسطها متأخّر عن خلقها وتسويتها كرويّة، فالأرض خُلقت قبل دحوها، وإنْ لم تكن قد برزت بعدُ بوصفها وعاءً للحياة الإنسانيّة، ومسرحًا للاستخلاف، وموضعًا لظهور السُنن الإلهيّة، ويقترن دحو الأرض في الوعي القرآنيّ والعقدي بإظهار ما أودع فيها من خزائن، وإخراج عناصر القوام الحيوي من باطنها إلى ظاهرها في انسجام دقيق بين البنية الكونيّة والحاجة الوجوديّة للإنسان وسائر الأحياء، وهذا الاقتران يكشف عن الإمداد السابق عليها في علم الله وتقديره، وهو ما يرسّخ مبدأ العناية الإلهيّة السابقة على الوجود. وتكتسب حادثة دحو الأرض بعدًا احتجاجيًّا واضحًا، إذ إنّ الأرض التي دُحيت بهذا الإحكام، وهُيّئت بهذا التوازن، ولا يمكن أنْ تُفهم بمعزل عن الغاية النهائيّة للخلق، فالفعل الإلهي المحكم ثابت ويستلزم نفي العبث، وإذا انتفى العبث ثبتت الغاية، وإذا ثبتت الغاية، كان الحساب والرجوع ضرورة عقلية، مثلما أنّ التدبّر في حال الأرض قبل دحوها يفتح آفاقًا للتأمّل في القدرة الإلهيّة، والهدف من الخلق، ويجعل العقل والضمير يلتقيان في فهم النعمة والواجب في لوحة واحدة من التقدير والإبداع الإلهيّ، فسبحان الله الذي خلق كلّ شيء وأعطاه هداه. وعليه، فإنّ الحديث عن دحو الأرض يدخل في صميم العقيدة الإسلامية، وهو شاهد على وحدة الخالق سبحانه، ونختم بسؤال يطرح نفسه: )والْأرْض بعْد ذلِك دحاها أخْرج مِنْها ماءها ومرْعاها( (31،30: النازعات). لماذا عبّر القرآن بـ "بعد ذلك" في الآية المباركة؟ هل هو ترتيب زمني، أم ترتيب بياني لينبّه العقل؟ وما سرّ تقديم الماء على المرعى؟ أليس في ذلك تأسيس لقانون كونيّ: لا نبات بلا ماء؟