رياض الزهراء العدد 230 أنصار الحسين (عليه السلام)
بين الولاء والشهادة: سيرة حبيب بن مظاهر في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)
واقعة الطفّ: الملحمة خالدة جسّدت ذروة الصراع بين الحقّ والباطل في تاريخ البشرية، فنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرّد مواجهة عابرة، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا كشف عن عمق الانحراف الأخلاقي والعقائدي في أعدائه، وفي الوقت ذاته أظهرت سمو الصفوة التي أحاطت بالإمام الحسين (عليه السلام) ولبّت نداءه، وسارت تحت رايته غير آبهة بالموت، واقعًا عليها أم واقعةً عليه. فقدّمت للعالم نماذج إنسانية فريدة، رسمت أروع صور التضحية والفداء في سبيل الدين والعقيدة. وفي طليعة كوكبة الأنصار برز حبيب بن مظاهر الأسدي، الشيخ الجليل الذي تمّيز بالعقيدة الصلبة، والبصيرة النافذة، والسريرة النقيّة، فنال عن جدارة لقب شيخ الأنصار. هو حبيب بن مظاهر الفقعسي الأسدي، وُلد وعاش في الكوفة، في بيت عُرف بولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، أدرك زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وكان من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن ثقاته، وحملة علومه، ومن شُرطة خميسه، وصحبه في جميع معاركه، ورُوي أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بشّره بالشهادة، فكان مثالًا للثبات والوعي(1). ولمّا كتب أهل الكوفة للإمام الحسين (عليه السلام) يدعونه للقدوم، كان حبيب من أوائل المؤيّدين لتلك الدعوة، وعندما اشتدّت ملاحقة عبيد الله بن زياد لأنصار الإمام الحسين (عليه السلام) خرج حبيب متخفّيًا إلى كربلاء(2)، فوصل قُبيل عاشوراء في موقف جسّد أسمى معاني الشجاعة والصدق في نصرة الحقّ، ومواجهة الباطل بالنفس، وهي أعلى مراتب الإيمان، ومن أبرز مواقفه (سلام الله عليه) موقفه مع السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام)، عندما جمع الأنصار أمام خيمتها، ليجدّدوا العهد في الثبات على الموقف وفداء ابن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بأرواحهم، والدفاع عن بنات الرسالة حتى آخر قطرة دم في أبدانهم الزكيّة، فكان لذلك أثر عظيم في طمأنة قلبها الشريف، ورُوي أنّها (عليها السلام) أقرأته السلام، وهذا يدلّ على عظم منزلته عند أهل البيت (عليهم السلام). وفي اليوم العاشر من المحرّم كان حبيب أبرز القادة في المعسكر الحسيني، وقف مخاطبًا جيش الأعداء، محتجًّا عليهم، ومحذّرًا من مغبّة قتال سبط رسول الله (صلّى الله عليه واله)، قائلًا: (والله لبئس القوم عند الله غدًا)(3). وفي ظهيرة عاشوراء، أعرب حبيب للإمام الحسين (عليه السلام) عن رغبته في الشهادة قائلًا: "يا مولاي، إنّي أحبّ أن أتمّ صلاتي في الجنّة، وأقرأ جدّك وأباك وأخاك منك السلام"(4). ثم برز وهو يردّد أرجوزته المشهورة: أنا حبيب وأبي مظاهر وفارس الهيجاء ليث قسور(5) فلم يزل يقاتل حتى قتل (35) فارسًا قبل أن يستشهد يوم عاشوراء سنة (61هـ)، وقد ناهز (75) عامًا من عمره الشريف، فترك استشهاده أثرًا بالغًا في نفس الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى قيل إنّه لمّا قُتل حبيب والعبّاس (عليهما السلام) بان الحزن على وجهه الشريف، وقال: "للهِ درّك يا حبيب، لقد كنت فاضلًا، تختم القرآن في ليلة واحدة"(6). وهكذا ختم حبيب حياته الحافلة بمواقف البطولة والفداء، لم يساوم على الحقّ، ولم يركن إلى الباطل طرفة عين، حتى غادر الدنيا متوّجًا بشرف الشهادة بين يدي ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فرزقه الله حُسن العاقبة، وحاز لقب شيخ الأنصار. ...................... (1) أعيان الشيعة: ج4، ص 554. (2) أعيان الشيعة: المصدر نفسه. (3) اللهوف على قتلى الطفوف: ص61. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) بحار الأنوار: ج45، ص 20.