في زاوية الغرفة.. ولد (أمان)
في منزل يشبه المتحف بجدرانه الباردة وكنوزه الصامتة، عاشت (سارة) طفولة ذابلة تحت سقف من الرخام البارد، كان والداها الغارقان في دوّامة الصفقات التجارية والعلاقات الاجتماعية يظنّان أنّ توفير الألعاب النادرة والغرفة الوردية الفاخرة هو قمّة الحبّ، ولم يدركا أنّ ابنتهم كانت تتضوّر جوعًا لنظرة حانية، أو لحديث بسيط لا يُختتم بعبارة: ليس الآن يا عزيزتي.. وفي ليلةٍ ماطرة، كان صراخ الرعد هو الصوت الوحيد الذي يملأ ردهات البيت الكبير، جلست (سارة) في زاوية غرفتها المظلمة، تحتضن ركبتيها إلى صدرها، وتنتظر، تنتظر دومًا طرقًا خفيفًا على الباب، أو همسة يفوح منها عبق الأمومة الحقيقي، لكنّ الباب ظلّ صامتًا، موصدًا بأقفال الغياب، وهناك في قلب تلك العتمة الرطبة، وُلد (أمان). لم يكن مجرّد صديق خياليّ، بل كان انعكاسًا حيًّا لكلّ ما تفتقر إليه: صوت دافئ، عينان لا تملّان من النظر إليها كما لو كانت الكون كلّه. في البداية كان (أمان) يكتفي بالجلوس بجانبها، يروي لها حكايات من عالم موازٍ، حيث الكلمات تحصد من الحقول، والأصوات تُنسج من ضوء النجوم، ومع مرور الشهور تحوّل من رفيق اللحظات الحزينة إلى شريك النفس والروح. بدأت تتغيّر تصرّفات (سارة)، فتطلب من المربّية وضع طبق إضافي على المائدة، وعندما يسألها والداها بنبرة سخرية خفيفة عمّن يكون هذا الضيف الخفيّ، تجيب بهدوء جليدي: (أمان جائع اليوم)، كانا يبدوان كأنّهما يسمعان طرفة عابرة لا أكثر، لكنّ الأمور أخذت منحىً أخطر حين رفضت الذهاب إلى المدرسة، وابتعدت عن الأطفال الآخرين، كان العالم الخارجي في نظرها ضجيجًا بلا معنى، وألوانًا باهتة، بينما عالم (أمان) كان مليئًا بالأسرار الهادئة، إذ لكلّ كلمة وزن. بدأت تتحدّث بصوت مسموع إلى الفراغ، وتضحك لطُرفة لا يسمعها سواها، وتتجادل مع ظلّ يراه الآخرون وهمًا، لكنّه كان لها كيانًا من لحم ودم. في ليلة ميلادها الثامن، أقام والداها حفلًا دُعي إليه الوجهاء والأصدقاء، وامتلأ البيت بالزهور والهدايا الباهظة الثمن، لكن وسط كلّ هذا الزخرف نسي الجميع سؤالًا بسيطًا: ماذا تريدين يا (سارة)؟ وقفت الطفلة وسط الحشد، تشعر بأنّها شفّافة، كأنّها روح طافية بين الأضواء، حتى رأته واقفًا على شرفة الطابق العلوي، نائيًا، يومئ لها برأسه نحو الأعلى، حيث الهدوء والحقيقة، تركت الحفل وصعدت، وأغلقت باب غرفتها خلفها.. بعد لحظات، حين قرّر الأب الدخول ليعاتبها على سلوكها غير اللائق أمام الضيوف، وجدها جالسة على الأرض، تحدّث كرسيًا فارغًا بنبرة حادّة، يائسة، كأنّها تدفع بكلّ كيانها عبر الكلمات: أخبرهم يا أمان، أخبرهم أنّكَ الوحيد الذي رآني حين كنتُ شفّافة.. تسمّر الأب في مكانه، اخترقت أخيرًا جدران الجليد التي بناها حول قلبه، نظر إلى الزاوية الفارغة التي تحدّثت إليها ابنته، رأى فيها ليس خيالًا طفوليًا، بل مرآة مكسورة تعكس صورة والدٍ غائب، وابنة كانت تصرخ طوال السنوات بصمتٍ لم يسمعه أحد، كان صوتها الأخير عَبر شفتي (أمان) الوهمي هو الصوت الأول الذي وصل إليه حقًّا.