رياض الزهراء العدد 230 طفلك مرآتك
الأمراض النفسية عند الأطفال: بين الإهمال والتشخيص المبكر
رُوي عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) أنّه قال: "إنّ قلبَ الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبِلته"(1). تعكس هذه الحكمة النفيسة هشاشة نفسية الطفل واستعداده لامتصاص ما يحيط به، ممّا يبرز أهمّية الاهتمام بصحّته النفسية منذ الصغر من أجل زرع بذور الثقة والاستقرار، ولم تعد الاضطرابات النفسية عند الأطفال أمرًا نادرًا، بل تظهر بأشكال متنوّعة كالقلق المفرط، والانسحاب الاجتماعي، ونوبات الغضب المتكرّرة، أو التراجع الدراسي غير المبرّر. غالبًا ما يُفسّر الأهل هذه السلوكيات بوصفها مرحلة عمرية عابرة، فيتجاهلون ضرورة التدخّل المبكّر، ممّا يفاقم المشكلة، إذ يؤكّد الدكتور (فادي معلوف) أستاذ الطبّ النفسي للأطفال والمراهقين، أنّ (عددًا كبيرًا من الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية قابلة للعلاج، إلّا أنّ قلّة منهم يصلون إلى التشخيص المبكّر بسبب نقص الوعي والخوف من الوصمة الاجتماعية)(2)، والتأخير في طلب المساعدة يحرم الطفل من فرصة الاستفادة من العلاج النفسي الفعّال، ويترك أثرًا طويلًا على تطوّره، وللنظرة المجتمعية دور محوريّ في هذا الإهمال، إذ يُنظر إلى الاضطرابات النفسية بصفتها ضعفًا شخصيًا أو فشلًا تربويًا، وهنا يتحمّل الطفل العبء الأكبر، فتتراكم الضغوط داخله، ممّا يهزّ ثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية، وفي هذا السياق توضّح الدكتورة (رولا أبي راشد) اختصاصية علم النفس السريري، أنّ العلامات المبكّرة واضحة، لكنّها تُهمل، كاضطرابات النوم، والتغيّر المفاجئ في المزاج، وفقدان الاهتمام باللعب أو الدراسة، أو الشكاوى الجسدية المتكرّرة دون سبب عضوي(3)، هنا تكمن أهمّية التدخّل المبكّر الذي يمنح الطفل أدوات التكيّف، ويعزّز من شعوره بالأمان، مانعًا من تفاقم الاضطرابات، بخاصّة أنّ الضغوط ازدادت على الأطفال في مجتمعاتنا بفعل التغيّرات السريعة في أنماط الحياة، والتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، وممّا أشارت إليه منظّمة (اليونيسف) إلى أنّ هذه الظروف ترفع من مستويات القلق والتوتّر لدى الأطفال، ممّا يستدعي تعزيز خدمات الدعم النفسي المبكّر(4). ومن أجمل النماذج التربوية في التاريخ الإسلامي، تعامل السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع ابنيها الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، إذ أغدقت عليهما الحنان ممزوجًا بالمواعظ اللطيفة، كانت تلطّف جوّ المنزل، وتشيع الحبّ والطمأنينة، وهذا المنهج يعلّم الأمّهات كيف يبنينَ ثقة الطفل بنفسه منذ الصغر(5)، ويُظهر كيف تنمّي التربية النفسية اليومية بالحبّ واللطف شخصية الطفل وتهيّئه للحياة بثقة. على أمل أنْ يصبح الاهتمام بصحّة الأطفال النفسية من الأولويات لدى العوائل، حتى يكون الطفل مدعومًا بالأمان والرحمة والتوجيه الحكيم، مثلما علّمتنا سيرة أهل البيت (عليهم السلام)؛ ليكون جاهزًا لمواجهة تحدّيات الحياة بثقة ومسؤولية. ....................... (1) نهج البلاغة: الحكمة 147. (2) الدكتور فادي معلوف، تصريحات إعلامية حول اضطرابات الأطفال النفسية. (3) رولا أبي راشد، مقابلات وتصريحات إعلامية حول التشخيص المبكّر للاضطرابات النفسية عند الأطفال. (4) منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (اليونيسف)، تقارير الصحّة النفسية للأطفال. (5) نهج التربية عند السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، تقرير عن أسلوبها في تربية أبنائها الحسن والحسين (عليهما السلام) (alkawthartv.ir).