رياض الزهراء العدد 230 تاج الأصحاء
شهر ذي القعدة: محطة للتأمل النفسي والروحي
شهر ذي القعدة ليس مجرّد محطّة زمنيّة في التقويم الهجري، بل هو نافذة مشرعة على السكينة والطمأنينة، فهو من الأشهر التي يمكن جعلها ميدانًا للتأمّل والتزكية، وفي هذا الشهر تتوقّف النفس قليلًا عن صخب الحياة لتستعيد توازنها، وتتهيّأ لرحلة الحجّ المباركة في الشهر الذي يليه، ويفتح شهر ذي القعدة أمام المرأة أبوابًا واسعة للتأمّل النفسي والروحي؛ فهي التي تحمل على عاتقها مسؤولية الأسرة والمجتمع، وتحتاج إلى محطّات تعيد فيها ترتيب أولوياتها، وتستمدّ من العبادة والذكر قوة تعينها على مواجهة ضغوط الحياة. يأتي شهر ذي القعدة بعد شوال الذي يُعدّ امتدادًا لروح شهر رمضان، إذ تواصل المؤمنات فيه مسيرة الطاعة والعبادة، فلا ينقطعن عن ذكر الله تعالى ولا عن أعمال الخير، إذ يتهيّأ القلب فيه ليكون محطّة هدوء وتأمّل، استعدادًا لشهر ذي الحجّة الذي يحمل أعظم شعائر الإسلام، وبهذا يصبح ذي القعدة حلقة وصل بين شوال وبين الذروة الإيمانية في ذي الحجّة؛ فهو شهر يعلّم المرأة أنّ الطاعة مسار ممتدّ، وأنّ التأمّل النفسي في هذه المرحلة هو زاد يعينها على استقبال أيام العبادة في شهر ذي الحجّة بروح نقيّة وقلب مطمئنّ، فالنفس البشرية تحتاج إلى محطّات هدوء يُعيد إليها توازنها بعد ضغوط الحياة اليومية، ويمثّل فرصة ذهبية للمرأة لتستعيد صفاءها الداخلي بالعبادة فيه، ويظهر الأثر في الصحّة النفسية، تشعر المرأة بالطمأنينة، فتساعدها على مواجهة القلق والتوتّر، مثلما أنّ لحظات التأمّل أو كتابة اليوميات، أو الجلوس بصمت مع النفس، وسائل عمليّة تساعدها على إعادة ترتيب أفكارها وتجديد طاقتها. ويمكن أنْ تستثمر الأمّ شهر ذي القعدة في التربية الروحية للأبناء، وتعليمهم معنى الأشهر الحرم، وأنْ تغذّي عقلها وروحها بالمطالعة والقراءة، أو عَبر المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والخيرية، والتأمّل في الطبيعة لتستشعر عظمة الخالق، وكذلك زيارة العتبات المقدّسة والأماكن التاريخية يفتح أمامها أبوابًا جديدة للتأمّل، ويجدّد الروح والذاكرة، ويمنحها شعورًا بالسكينة والانتماء. وأخيرًا فإنّ شهر ذي القعدة ليس مجرّد محطّة زمنية عابرة، بل هو فرصة للتأمّل، وتجديد العهد مع الله سبحانه، واستعادة التوازن الداخلي الذي تحتاجه المرأة لتواصل مسيرتها في الحياة بقوة وصفاء، وقد قال الله تعالى: )الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (الرعد: 28). بهذا الاطمئنان تغدو المرأة أكثر قربًا من الله تعالى، وأكثر قدرة على العطاء؛ لتجعل من شهر ذي القعدة محطّة نورٍ وهدى في حياتها وحياة مَن حولها.