رياض الزهراء العدد 230 الملف التعليمي
(مسار بولونيا).. حين يتحول التعليم من تلقين إلى صناعة العقول
مهنة التدريس مسؤولية صعبة، فإذا أخطأ المعلّم انعكس ذلك على الطلاب لكونه مؤسّس العقول، ومن ثم يحتاج إلى تغذية سليمة ضئيلة الأخطاء، فالأستاذ يصنع رؤية فكرية واجتماعية لأجيال متوالية تقود الشعوب على مرّ الزمن، وأيّ خلل في المادّة المُقدّمة أو المنهاج التعليمي تظهر نتائجه في المستقبل، وبما أنّ متطلّبات العصر الحالي تُجبرنا على التعامل معه بسرعة ودقّة متناهية، فالتحوّل باتّجاه أنظمة تعليمية تلبّي احتياجات العصر الحديث لا يُعدّ رفاهية، إنّما ضرورة لابدّ من أنْ توضع بنظر الاعتبار، ومن أبرز هذه التحوّلات هو (مسار بولونيا) أو ما يُعرف بـ (Bologna Process). هذا المسار الذي انطلق في عام (1999م) في مدينة (Bologna)، لم يكن مجرّد تعديل إداري، بل إعادة صياغة لفلسفة التعليم العالي في ضمن إطار جوهره، أي الانتقال من التعليم القائم على التلقين وساعات المحاضرة، إلى التعليم القائم على مخرجات التعلّم وجهد الطالب الذاتي عن طريق نظام الساعات المعتمدةECTS) ) (1) الذي يقيس ما يبذله الطالب من وقت، وفهم، وتطبيق، لا مجرّد حضوره داخل القاعة. في النظام التقليدي يكون الأستاذ محور العملية التعليمية، والامتحان النهائي هو الحكم شبه المطلق، أمّا في (مسار بولونيا)، فالطالب شريكٌ فاعلٌ، يُقيَّم عن طريق واجباتٍ، وبحوثٍ، ومشاريعَ، ونقاشاتٍ، وتطبيقاتٍ عملية، والهدف ليس أنْ يحفظ المعلومة، بل أنْ يُتقن توظيفها، وفي هذه الحالة لن يكون السؤال: ماذا درس الطالب؟ بل: ماذا يستطيع أنْ يفعل بعد أنْ يدرس هذا الموضوع؟ يُعزّز هذا التحوّل من مهارات التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والبحث العلمي، ويقرّب مخرجات التعليم من متطلّبات سوق العمل العالمي، ومن ثم يُسهّل حركة الطلبة والاعتراف بالشهادات دوليًا. بدأت الجامعات العراقية لا سيّما التخصّصات التقنية والهندسية اعتماد هذا النظام تدريجيًا، وهو انتقالٌ يتطلّب أكثر من قرار إداري، إنّه يحتاج إلى تغيير ثقافة تعليمية كاملة، ولتطبيق هذا المسار بالطريقة الصحيحة يجب التركيز على النقاط الآتية: ١- تأهيل الملاكات التدريسية عن طريق دورات تدريبية مكثّفة بشأن نظام الساعات المعتمدة، وآليات التقييم المستمرّ، وتصميم المقرّرات وَفق مخرجات تعلّم واضحة. ٢- صياغة المناهج بطريقة متناسقة مع نظام (مسار بولونيا)، إذ تُبنى المقرّرات على مهارات محدّدة قابلة للقياس، مع توزيع عادل بين الجانب النظري والتطبيقي. ٣- تطوير البنية التحتية، من مختبرات، ومكتبات رقمية، ومنصّات التعليم الإلكتروني؛ لأنّ النظام يعتمد على البحث الذاتي والتفاعل المستمرّ. ٤- تقليل كثافة القاعات الدراسية لضمان فاعلية التقييم المستمرّ والنقاشات الصفيّة. ٥- نشر الوعي بين الطلبة، فنجاح النظام يتطلّب إدراك الطالب أنّ التعلّم مسؤولية مشتركة، والجهد الذاتي جزء أساسي من الدرجة النهائية. والتحدّي الحقيقي لا يكمن في تغيير عدد الساعات أو شكل الجداول، بل في تغيير الذهنية، (فمسار بولونيا) ليس إجراءً شكليًا، بل هو فلسفة تُعيد تعريف العلاقة بين الأستاذ والطالب، وبين التعلّم والتلقين؛ لأنّ كلّ إصلاحٍ في التعليم هو استثمارٌ مباشر في استقرار الوطن وتقدّمه، وإذا كان التدريس بناءً للعقول، فإنّ تحديث أدوات البناء واجبٌ أخلاقي قبل أنْ يكون خيارًا إداريًا، فالعقول التي نغذّيها اليوم ستصنع قرار الغد. إنّ اعتماد (مسار بولونيا) في العراق يمكن أنْ يكون خطوةً حقيقيةً نحو تعليمٍ أكثر جودةً وفاعليةً، بشرط أن يُطبَّق بروح الإصلاح، لا بمجرّد نقل التجربة، فالمهمّ ليس أنْ نُغيّر الاسم، بل أنْ نُغيّر الأثر. ................... (1) European Higher Education Area.