نهج المحبة

عهود فاهم العارضيّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 10

قال الله تعالى: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (آل عمران:31)، لقد بّين الباري (عزّ وجلّ) في هذه الآية المباركة محبّته والقرب منه بركيزة جوهريّة وشرط أساسي، وهو اتّباع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وهذا الاتّباع لا يتحقّق بمجرّد المحبّة وإنْ كانت ضرورية، فالمحبّ بطبعه يتبع حبيبه، غير أنّ المحبّة إنْ لم تكن منضبطة بالميزان الإلهي فقد تتّجه إلى غير الجهة الصحيحة، فيكون الاتّباع حينئذ اتّباعًا خاطئًا؛ ولذلك أكّد سبحانه على لسان نبيّه الأكرم: )فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ( (آل عمران:31)، ليجعل الاتّباع العملي هو البرهان الصادق على المحبّة، والميزان الفاصل بين الدعوى والحقيقة، فبقدر ما يتحقّق الاتّباع، يتحقّق القُرب، وبقدر ما تترسّخ الطاعة، تتجلّى المحبّة الإلهيّة في حياة العبد، واتّباع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يعني اتّباع عترته (عليهم السلام)، إذ أكّد (صلّى الله عليه وآله) أنّ عبادة الله تعالى من دون محبّتهم عبادة فارغة لا فائدة فيها، بل لا تزيد العابد إلّا بُعداً منه سبحانه وتعالى، فيقول النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): "لو أنّ عبدًا عبّد الله بين الركن والمقام ألف عام ثمّ ألف عام ولم يكن يحبّنا أهل البيت، لأكبّه الله على منخره في النار" (1). ويُستدلّ من الحديث الشريف على أنّ أهل البيت هم أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) بوصيته المشهورة: "إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض"(2)، إذن كيف يكون الاتّباع؟ وما الوسيلة الصحيحة لتحقيقه؟ فيجيبنا عن ذلك الإمام علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) بقوله: "فإنّ النّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا"(3)، فيتبّين لنا أنّ أقصر طريق لاتّباع محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم) هو أنْ نجعل الهدف يتمحور على السعي لمعرفتهم وتعلّم علومهم، واليوم المرأة أقرب ما تكون للوصول إلى هذا الهدف، ولا يقتصر الحصول على العلم بارتياد الجامعات فحسب؛ بل يمكن حصوله في كلّ بيت عن طريق الهاتف النّقال فقط، وتوجد هناك الكثير من الحوزات العلمية الإلكترونية، بخاصّة المعتمدة من قِبل العتبات المقدّسة قد تصل المرأة فيها الى أعلى المراتب العلمية وهي في عقر دارها وفي الوقت نفسه تدير شؤون أسرتها وبيتها، فالتحاق المرأة بالدراسات الحوزوية يمنحها وعيًا عقديًّا راسخًا، وبصيرةً منهجية تمكّنها من فهم الدين فهمًا عميقًا بعيدًا عن السطحية، ويصقل شخصيتها بالاتّزان الفكري والقدرة على التمييز بين الحقّ والشبهة،مثلما يعزّز من ثقتها بنفسها، ويهذّب سلوكها ويمنحها دورًا رساليًا مؤثّرًا في أسرتها ومجتمعها، فتغدو عنصرًا بنّاء تنهج الإصلاح القائم على العلم والبصيرة، فضلًا عن النفع الأسمى يوم القيامة. ...................... (1) بحار الأنوار: ج39، ص257. (2) بحار الأنوار: ج23، ص141. (3) معاني الأخبار: ج1، ص180.