مقام الولاية

رجاء علي البوهاني/كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 9

إنّ من المقامات التي خصّ الله تعالى بها نبيّه محمّدًا (صلّى الله عليه وآله) غير مقام الوحي وتبليغ الرسالة هو (الولاية)، فأنّ نبي الإسلام كانت له شخصية حقوقية من قِبل الله تعالى، وأنّ من أهمّ عناصر تلك الشخصية هو (الولاية)، وهو ما أشار إليه (صلوات الله عليه) في خطبته في حجّة الوداع في يوم غدير خم بقوله للمسلمين: "أيّها الناس، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم" قالوا: بلى"(1). ومن لوازم هذا المقام حقّ تشريع الأحكام وإصدار الأوامر والنواهي، ووجوب الطاعة لأحكامه على الناس من دون المطالبة بدليل، وهذه الطاعة المأمورة بها الأمة هي التي نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ (النساء:59)، وهي طاعة غير مشروطة بشرط ولا مقيّدة بقيد، وهذا يدلّ على أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء يخالف حكم الله تعالى وإلّا ما كان أمره تعالى إلّا اجتماعًا للأمر والنهي في الفعل الواحد وباعتبار واحد، وهو محال، ويدلّ أيضًا على عصمة النبي (صلّى الله عليه وآله) من الخطأ؛ لأنّه إذا لم يكن معصومًا عن الخطأ كان على فرض إقدامه على الخطأ -والعياذ بالله- يكون الله تعالى قد أمر بمتابعته، وقد أمر تعالى المؤمنين في الآية نفسها بصيغة أمر واحدة (أطيعوا) بإطاعة النبي وأولي الأمر (صلوات الله عليهم أجمعين) واتّباعهم، فقد جمع سبحانه في هذه الآية بين الرسول وأولي الأمر (عليهم السلام)، وذكر لهما طاعة واحدة فقال تعالى: وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمْ، ولا يجوز على الرسول وأولي الأمر (صلوات الله عليهم) أنْ يأمروا بمعصية أو يخطئوا في حكم، فلو جاز شيء من ذلك عليهم، كان لابدّ من أنْ يذكر القيد الوارد عليهم، فلا مناص من أخذ الآية مطلقةً من غير أيّ تقييد، ولازمه تحقّق العصمة في جانب أولي الأمر مثلما تحقّقت في جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غير فرق(2). وبطبيعة الحال هناك خلاف في تفسير مَن هم (أولو الأمر)، وهل المراد من هذا المصطلح صاحب النفوذ في الناس وذو التأثير في أمورهم كرؤساء الدول والمسؤولين، أي أهل الحلّ والعقد الذين تثق بهم الأمة وهم الهيئة الاجتماعية من وجوه الأمة، أم أنّهم أفراد مخصوصون، ولا مناص في تمام معرفتهم من الرجوع إلى التنصيص من جانب الله سبحانه من كلامه أو على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله)، فينطبق على ما رُوي من طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تعيّنهم، فعن أبي بصير قال: قد سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية، فقال: "نزلت في عليّ بن أبي طالب، قلتُ: إنّ الناس يقولون: فما منعه أنْ يسمّي عليًا وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفر: قولوا لهم: إنّ الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسمّ ثلاثًا ولا أربعًا حتى كان رسول الله هو الذي فسّر ذلك لهم"(3)، وأنزل الحجّ فلم ينزل طوفوا سبعًا حتى فسّر لهم رسول الله، وأنزل: أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ، فنزلت في عليّ والحسن والحسين، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألتُ الله (عزّ وجلّ) أنْ لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليَّ الحوض، فأعطاني ذلك"(4)، ومن هنا نفهم تتمّة حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) في تنصيب الإمام عليّ (عليه السلام) يوم الغدير، إذ قال: "مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه"(5)، فقد أعلن النبي (صلّى الله عليه وآله) على الملأ أنّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) مقام الولاية والإمامة على الأمة، وأمرهم بوجوب اتّباعه. .......... (1) بحار الأنوار: ج37، ص225. (2) تفسير الميزان: ج4، ص143. (3) شرح أصول الكافي: ج6، ص109. (4) المصدر السابق. (5) بحار الأنوار: ج37، ص126.