رياض الزهراء العدد 231 أنوار قرآنية
التعامل مع الأزمات النفسية في ضوء القرآن الكريم
يتعرّض الإنسان إلى العديد من الابتلاءات في مختلف مراحل حياته، وتتنوّع الابتلاءات بين المرض، والخوف، والحزن، والقلق، والفقد، وغيرها، فالابتلاء سنّة الله سبحانه في الأرض لتمحيص العباد، وقد قال تعالى: )وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً( (الأنبياء:35)؛ لذلك أولى القرآن الكريم حياة الإنسان عناية عظيمة لتحقيق الأمن والاستقرار، إذ يقدّم في مختلف آياته الكريمة منهجًا ربّانيًا مُتكاملًا للإنسان في التعامل مع أزمات الحياة بأنواعها، صحّيةً كانت أو اجتماعية أو غيرها لتحقيق الطمأنينة والاتّزان النفسي، وذلك للصلة الوثيقة بين الأحاسيس النفسية والسلوك، فقد تظهر الاضطرابات في السلوك بطريقة غير واعية، وهذا ما يؤكّده أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثه الشريف: "ما أضمَرَ أحَدٌ شَيئًا إلّا ظَهَرَ في فَلَتَاتِ لِسانِهِ وصَفَحاتِ وَجْهِهِ"(1). إنّ الابتلاءات التي تواجه الإنسان متنوّعة وكثيرة، وكلّما تقدّم الوقت بالإنسان، وجد نفسه لاسيّما المؤمن وسط الكثير من التحدّيات، الأمر الذي يشعره بالإحباط أو الاكتئاب تجاه ما يدور من حوله، وقد ينتج عن هذا التراكم أزمات نفسية تتصارع في ذاته بطريقة واضحة؛ لذلك ينظر القرآن الكريم إلى حياة الإنسان نظرة شمولية، فبيّن له أسس دينه وفروضه، وكذلك وجّهه نحو ما يحقّق له الاطمئنان النفسي، ومن أبرز الطرق في التعامل مع الأزمات النفسية من منظور القرآن الكريم هو الآتي: 1- الإيمان بالله تعالى: إنّ الإيمان الحقيقي من شأنه ترسيخ الثقة المُطلقة بالخالق (عزّ وجلّ)، والتوكّل عليه والرضا بكلّ ما يأتي منه، والتسليم لقضائه وحكمته في تسيير الأمور، هذا الاعتماد أصل في علاج الأزمات النفسية، وقد قال تعالى: )أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (الرعد:28). 2- الصبر: يُعدّ الصبر من أهمّ الصفات التي يجب أنْ يتحلّى بها المؤمن لكونه وسيلة لتجاوز الأزمات والابتلاءات والمواقف الصعبة التي تتطلّب من الإنسان ترويض النفس لتقبّل شدائد الحياة؛ لذلك اقترن الصبر بالفرج، وقد قال تعالى: )وَبشّرِ الصَّابِرِينَ( (البقرة:155). 3- الدعاء: يؤكّد القرآن الكريم على مسألة الدعاء، فهو وسيلة للتنفيس عن الألم النفسي، والتعبير عن الضعف بين يدي الله (عزّ وجلّ)، وقد قال تعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ( (غافر:60)، وقال تعالى: )قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا( (الإسراء:110). 4- الأمل بالله تعالى وعدم اليأس: يُعدّ اليأس والقنوط من شباك الشيطان؛ لسحب الإنسان إلى الإصابة بالأزمات النفسية، ثم جرّه إلى الكفر بالله تعالى شيئًا فشيئًا؛ لذلك نهى القرآن الكريم عن القنوط واليأس، وقد قال تعالى: )لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ( (الزمر:53)، فالأمل يعيد نشاط الروح ويحثّها على التقدّم على الرغم من وجود الصعاب. لقد قدّم القرآن الكريم منهجًا شاملًا للإنسان في التعامل مع الأزمات وتجنّب أسبابها، فالتفكّر وحسن الظّن بالله تعالى، واليقين بحكمته وسُننه في الكون يوسّع أفق الإنسان، ويخفّف من حدّة شعوره تجاه الأزمات، ويبدّد مخاوفه وقلقه، وكلّما تعمّق الإنسان والتزم بالقيم القرآنية استطاع أنْ يتجاوز أزماته بقلب مطمئنّ، ونفس راضية وواعية بقضاء الله سبحانه وقدره، ممّا يحقّق السلام الداخلي والتوازن النفسي الذي ينعكس على سلوكه الخارجي، فيتحوّل قلقه إلى سكينة واطمئنان. ............ (1) موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): ج10، ص204.