رياض الزهراء العدد 231 هندسة الحياة
يقظة بعد السبات
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغيّر معالم الحياة بين الفينة والأخرى، وتظهر على السطح الكثير من التوجّهات التي تدعو إلى تفكيك نواة المجتمع وأساسه القويم، يبرز حينها الدور الجوهري لضرورة التحلّي بالوعي ضدّ أمواج التجهيل العارمة، وقد ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام) في إحدى خطبه في نهج البلاغة: "نعوذ بالله من سبات العقل"(1)؛ لنقف قليلًا عند أعتابه ونتأمّل في كلّ الرسائل العميقة التي يحملها بين جنباته. (السُبات): حالة من السكون والراحة، و(سُبات العقل): خمول القوى الذهنية(2)، فيقوم الإنسان بتعطيل العقل عن ممارسة مسؤولياته في البحث عن الخطأ، واكتشاف مواطن الخلل سعيًا منه للقضاء عليها وتغييرها لما هو صائب، بل يصبح على النقيض من ذلك، متهاونًا ومتخاذلًا فيتّبع أفكار المجموعة ويتلاشى بين القطيع، فلا يكاد يُرى ولا يُسمع له صوت، هذا حين يكون عقل فرد واحد، فكيف إذا كانت مَن جعلت العقل في سباتٍ هي منبع التربية، ومَن تستمدّ منها الأسرة أشعّة دفء المشاعر ونور التغيير الإيجابي؛ لتنمو على أثرها بذور المبادئ والقيم لمستقبل واعٍ سليم، حينها يتسلّل ظلام الابتعاد عن طريق الصلاح إلى متاهات دروب ضياع التطوّر الوهمي الذي يأخذ بيدها إلى الهاوية. أحد أسباب الاستسلام لسبات العقل هو غفلة المرأة عن قيمتها وطاقاتها الكامنة التي أوجدها الله تعالى بها، ودورها المحوري في المجتمع انطلاقًا من عائلتها الصغيرة. إنّ يقظة المرأة لا تعني مجرّد الحصول على أعلى الشهادات، أو قيادة السيارة، أو الحصول على الوظيفة، بل هو أمر يقوم عليه صلاح المجتمع ككلّ، فهو حضور العقل في كلّ موقف من مواقف الحياة، وفي فهم العالم من حولها، فكلّ معلومة جديدة هي نافذة على نور المعرفة، وخطوة نحو حياة أفضل قربةً لوجه الله سبحانه وتعالى. إنّ اليقظة من سبات العقل تكون بخطوات بسيطة، تبدأ بإدراك أهمّية دور المرأة في المجتمع مثلما أمرها الله سبحانه، فيمكنها قراءة كتاب ما في أوقات الفراغ بدلًا من السعي لاهثةً وراء أحدث صرعات الموضة والانغماس بين براثن العقل الجمعي وتعطيل التفكير، فالمرأة الواعية المفكّرة تُربّي جيلًا قادرًا على التمييز بين الحقّ والباطل، ومن هنا تقدح شرارة العلم والمعرفة لتضيء أرجاء العائلة الصغيرة في المجتمع بأكمله. إذًا فلنسعَ جميعنا للتحرّر من الغفلة، ونشعل قناديل التفكّر والتدبّر تطبيقًا لقول الإمام عليّ (عليه السلام): "نعوذ بالله من سُبات العقل"، ولتكنْ يقظتنا دائمةً بعد حقبة سبات سابق. ................. (1) نهج البلاغة: الخطبة (224). (2) موقع المعاني: https://www.almaany.com/ar/dict/arar/