سامراء وغدير العهد

زبيدة طارق الكناني/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 4

في سامرّاء لا يمرّ الغديرُ عابرًا، بل يتوقّف عند الأبواب القديمة، ويطرق الذاكرة بنداءٍ قديم: "مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه"(1). هنا، حيث اتّخذ الصبر هيئة مدينة، وحيث لبست الإمامة ثوب الغياب لتبقى حاضرةً في القلوب، نرفع راية الغدير لا احتفالًا بالكلمات، بل تجديدًا للعهد، وتخطّ النجوم دروب المسافرين، ويهمس الليل بما لا يُقال إلّا للقلب الصادق. في عيد الغدير تتلاقى السماء مع سامرّاء، فالغدير إعلان الولاية، وسامرّاء امتحان الوفاء. هناك قِيلت البيعة جهارًا، وهنا حُملت البيعة صبرًا، وكُتبت الولاية يوم قال الصوت الإلهي: هذا طريقكم، وهذا أُفقكم، وهذه الحياة.. وتجلّت القلوب، وارتسمت المواقف على صفحات الزمان.. نُعايد الغدير ونحن نعرف أنّ الطريق طويل، لكنّنا نعرف أيضًا أنّ كلّ رايةٍ نُصبت يوم الغدير لم تسقط، بل انتقلت من يدٍ إلى يد، حتى استقرّت في قلوب المنتظرين، وحفظت الوعود، واحتفظت بالأنفاس الأولى للأمل.. نيّة بدأت مسيرتها ولا تتوانى إلى أنْ ننصب على الأفق رايات، لا تهزّها الغَيبة، ولا يُنزلها الزمن، رايات ولاية كانت غديرًا وصارت سامرّاء.. تظلّ شاهدةً على الإخلاص، وعلى مَن ساروا بثباتٍ لا يلين.. سامرّاء لا تسألنا عن الفرح، بل تسألنا عن الثبات، والغدير لا يكتفي بالتهنئة، بل يطلب موقفًا، فهل تكفي المحبّة إذا لم تتحوّل إلى صبر، وإذا لم يُترجم الوفاء إلى فعل؟ ونعلم أنّ عيد الولاية ليس ذكرى، بل منارةً تضيء الطريق، وصوتًا يقف على القمّة ينادينا: احفظوا العهد، وكونوا نورًا في الزمن المظلم، فكلّ خطوة صادقة، وكلّ راية تُرفع، تجعل من الغدير أفقًا حيًّا، ومن سامرّاء قلبًا ينبض بالوفاء، ويستمرّ العهد حيًّا في كلّ روح صادقة، وفي كلّ نفس وفيّة، حتى تبزغ الشمس وتضيء الدروب. .............. (1) الكافي: ج1، ص287، 294، 296، 420.