مشاهد من الديار المقدسة

خاصّ مجلّة رياض الزهراء(عليها السلام)
عدد المشاهدات : 4

في رحلة الحجّ الأكبر تتحالف الدموع مع الدعاء، والشوق مع الفرح، والسعي إلى البيت العتيق مع رجاء القبول، وهنا تحفظ الذاكرة فصولًا محصّنةً من النسيان، يستعيدها الحجّاج بحنين كبير في موسم الحجّ فتشخص القلوب والأبصار على الرغم من بُعد الدار، لكنّها ترجو مَن هو أقرب إليها من حبل الوريد، وبدءًا من التهيّؤ الروحي للحاجّ ورؤيته الكعبة المشرّفة والقبّة الخضراء لسيّد الكائنات محمّد (صلّى الله عليه وآله) إلى مراسم وداع الحاجّ والمعتمر للديار المقدّسة والعودة إلى الأوطان، تتوجّه رياض الزهراء (عليها السلام) بسؤال مَن سبق وتشرّف بتلك الرحلة الروحية من المؤمنات عن آثارها: فسألنا السيّدة حامدة حسن الياسري/ معلّمة لغة عربيّة: كيف يتجهّز الحاجّ روحيًّا لزيارة بيت الله الحرام؟ فأجابت: هنيئًا لمَن دعاه الرحمن للحجّ، فهي رحلة لا تشبهها رحلة، فيشعر بشعور لا يشبهه شعور، كيف لا ونحن نقف بين يدي ربّ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، فلابدّ من الاستعداد على أتمّ وجه، وأفضل ما يبدأ به الحاجّ رحلته هو التجهّز لزيارة شفيعه سيّد الخلق محمّد (صلّى الله عليه وآله) والأئمة في البقيع (عليهم السلام) عَبر قراءة سيرتهم المباركة وأحاديثهم الشريفة، والتدبّر فيها، وأنْ يستغرق في قراءة الزيارة المباركة لرسول الله وآله الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، ثم يبدأ بقراءة أحكام الحجّ والحضور في دروس مناسك الحجّ بانتظام، تلك المحاضرات التي تقدّمها كلّ حملة لحجّاجها قبل السفر إلى الديار المقدّسة؛ لتفادي الأخطاء في أداء المناسك، والاستعداد عَبر قراءة القرآن الكريم والتدبّر فيه، ومعاهدة الله على التوبة وعدم العودة إلى الذنوب، وتجنّب الإكثار من الأمتعة حتى لا تثقل كاهله، ومجاهدة النفس وتدريبها على الصبر، فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ (البقرة:197)، وأدعو الله تعالى أنْ يرزق جميع المؤمنين زيارة بيته وقبر نبيّه (صلّى الله عليه وآله). وسألنا السيّدة زينب رضا/ إعلاميّة، عن شعورها في أول مرّة شاهدت فيها الكعبة المشرّفة، فأجابت: منذ أنْ كنتُ طالبة في المرحلة المتوسّطة كان حلم زيارة بيت الله الحرام يسكن قلبي، وأتذكّر يوم عاد والدي من الحجّ وأخذ يروي لنا تفاصيل ذلك المكان المقدّس بأسلوبه الشائق وصوته العذب نسج بداخلي هذه الأمنيّة، وأصبح كلّ دعائي منذ ذلك الحين أنْ أزور بيت الله الحرام وأطوف حول الكعبة المشرّفة، وقد كتبها الله سبحانه لي فأدّيتُ الحجّ مع والدتي حفظها الله بعد أنْ تخرّجتُ في الجامعة، فكان أول ما توجّهنا إلى المدينة المنوّرة، وحين وطئت قدماي أرضها شعرتُ أنّي قريبة من الرحمة الإلهية، وفي حضرة النور الذي أضاء الدنيا بوجوده المبارك، فهيبته (صلّى الله عليه وآله) ليس كمثلها هيبة، والسكينة التي شعرتُ بها في حضرته لا تُوصف، عندها شكرتُ الله (عزّ وجلّ) إذ أبقاني على قيد الحياة حتى بلغتُ هذا المشهد المعظّم، مشهد نبيّه ومشهد أوليائه في البقيع الغرقد، أمّا الكعبة المشرّفة فلم أكن أتخيّل حجمها وجلالها، ولشدّة دهشتي نسيتُ كلّ ما حفظته من الأدعية، وبدأت دموعي تنهمر كأنّها لغتي الوحيدة، وعندما هدأتُ قليلًا وجدتُ نفسي أكرّر: الحمد لله، شكرًا لله من دون انقطاع، ودعوتُ لوالدي الذي غرس حبّ هذه الديار في قلبي بالرحمة والغفران. وسألنا السيّدة رواء جميل راهي/ طبيبة أسنان عن أكثر المشاهد التي أثّرت فيها في الديار المقدّسة، فقالت: أكثر ما أثّر فيّ هو حين وقفتُ أمام الكعبة المشرّفة وأحدهم يقرأ جزءًا من دعاء كميل: "كيف بي وأنا عبدكَ الضعيف الذليل الحقير المسكين"(1)، شعرتُ بكلماته وأنا في بيت الله الحرام بين الجموع الغفيرة بالهيبة وجلال الوقوف بين يدي الله تعالى، ومن المواقف المؤثّرة هو مراسيم الإحرام ورؤية الأعداد الغفيرة من الحجّاج من مختلف القوميات والألوان واللغات، والجميع يردّد: "لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ"(2)، متّجهين إلى وجهة واحدة وهي الكعبة المشرّفة التي لا تغيب عن ذهني. وسألنا السيّدة وفاء عمر عاشور/ معدّة برامج إذاعية أنْ تصف لنا الوقوف في عرفة، فأجابت: من أكثر المواقف تأثيرًا في النفس الوقوف بعرفة، ذلك النهار الذي خُصّص للتوبة، والدعاء، والتضرّع والتوسّل إلى ربّ السماء، وأداء ركعتين تحت وهج الشمس في وقت الزوال، فيستحضر الحاجّ نار جهنّم وخشيته من الرحمن، ساعات معدودة يقضيها تحت السماء بلا سقف والقلب معلّق بلحظة الغروب، يتمنّى أنْ يطول النهار ليغترف المزيد من عطايا الربّ، فينير قلبه، وتعلو وجهه ملامح التسامح والصفح على الرغم من الزحام والتدافع، فلا يشغله إلّا رجاء العفو مثلما والكرم على ضيوف الرحمن. أمّا الجلوس في حضرة النبي (صلّى الله عليه واله) فيمنح الزائر شعورًا لا يُوصف، إذ يشعر بقوة الطمأنينة والسكينة، وينسى علائقه الدنيوية من الأهل والأحباب والأولاد، وينغمس في مناجاة الحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وآله)؛ ليعبّر عن حبّه واشتياقه لمنقذ البشرية من الضلالة، الرحمة المهداة من ربّ العالمين. أمّا السيّدة شيماء الإبراهيمي/ مدرّسة لغة إنكليزيّة، فقالت: أريد أنْ أبدأ بوصف لحظة تشرّفي بزيارة مرقد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فيا لجمال القبّة الخضراء وهي تعانق السماء، كأنّها تخبر قلبي الذي يزوره لأول مرّة: أبشر، فقد وصلتَ الى مأمن الروح ومنتهى الرجاء، حينها تزاحمت في صدري أنفاس السعادة ولهفة اللقاء مع هيبة المكان، فذابت روحي خجلًا وشوقًا في حضرة خير الأنام نبيّنا محمّد (صلوات الله عليه وعلى آله)، وأمّا لحظة رؤيتي الكعبة المشرّفة، ففي تلك اللحظة شعرتُ أنّ الزمن توقّف عن الدوران حين وقع بصري على ذلك السواد المهيب، الموشّى بالذهب والجلال، فعند العتبات الإلهية يشعر الإنسان بضآلته وعظمته في آن واحد: ضئيلٌ أمام جلال الخالق، وعظيمٌ لأنّه ضيفٌ في حضرة الباري تعالى، وبينما أردّد: (يا ربّ)، وإذا بي قد شققتُ الزحام ووصلتُ للكعبة المشرّفة وتعلّقتُ بأستارها وأنا أردّد: الشكر والحمد له سبحانه كيف رزقني زيارة بيته الحرام وزيارة قبر حبيبه (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام) وزيارة أئمتي الهداة في البقيع الغرقد، وكيف أوصلني إلى الديار المقدّسة.