(فدك) نحلة لا إرث
لطالما حاولت الأقلام الأجيرة عَبر التاريخ حصر قضية (فدك) في إطار النزاع المادّي على الميراث، كأنّها مجرّد حفنة من نخيل أو مساحة من الأرض، لكنّ القراءة الواعية في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) تكشف لنا أنّ فدكًا كانت نِحلة وهديّة إلهية، نزلت بها آيات الكتاب الحكيم قبل أنْ تجفّ دماء الشهداء، ولم تكن إرثًا يخضع لقوانين التوريث بعد الوفاة. وعند استعراض الحقيقة، تُفنّد الشبهات بالدليل والبرهان، منها: - الاستدلال بأسباب النزول القرآني: فقد قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (الإسراء:26)، وتفسيرها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأعطاها فدكًا، ففدك كانت ملكًا للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، ووسامًا ربّانيًا من الله تعالى، فالحقّ هنا ليس حقًّا مستحقًّا بالموت، بل هو حقّ ثابت في حياة المعطي. - (فدك) نِحلة وليست إرثًا: هنا يكمن الفرق الجوهري، فمن الشبهات الشائعة خلط القضية بالمواريث، بينما الثابت أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) سلّم السيّدة الزهراء (عليها السلام) فدكًا في حياته، وكان وكلاؤها يعملون فيها لسنوات قبل رحيله، فلو كانت فدك إرثًا فقط؛ لكانت المطالبة بها بعد شهادة النبي (صلّى الله عليه وآله) هي الأصل، لكنّ مطالبة الزهراء (عليها السلام) بها كانت بوصفها نِحلة، ممّا يثبت أنّ يد الزهراء (عليها السلام) كانت يد مالك لا يد وارث، وفاد قاعدة اليد في التشريع الإسلامي: (اليد دليل الملكية)(1)، إذ إنّ فدكًا كانت تحت تصرّف الزهراء (عليها السلام) وانتزاعها منها هو الذي يحتاج إلى بيّنة، وليس العكس، وإنّها كمَن يسكن دارًا ملّكه إياها والده حال حياته، فليس من حقّ أحد إخراجه منها بذريعة أنّ الأب لا يورّث. - ردّ الشبهات بمنطق البلاغة الفاطمية: في الخطبة الفدكية الخالدة، لم تترك السيّدة الزهراء (عليها السلام) مجالًا للشكّ في حقّها بفدك، إذ استخدمت سلاح القرآن الكريم لضرب القواعد الواهية التي وُضعت لمنعها، فاحتجّت بقوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ (النمل:16)، وقوله تعالى عن لسان نبيّه زكريا (عليه السلام): يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (مريم:6)، فإذا كان الأنبياء (عليهم السلام) لا يورّثون مثلما زعم الغاصبون، فكيف نطق القرآن الكريم بتوريثهم؟ إذًا هناك مَن أراد ليّ عنق الحقيقة لتجريد بيت النبوة من مقوّمات قوته المادّية التي تحمي الحقّ. - (فدك) رمزية الوجود: لم تكن السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) طالبةً للدنيا يومًا، فهي ممّن يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (الإنسان:7)، إنما كانت تطالب بفدك لأنّها الخندق الأول للدفاع عن الولاية، ففي تشبيه فدك بالفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، يجعلها ملكًا خالصًا للنبي (صلّى الله عليه وآله)، وله الحقّ المطلق في هبته لمَن يشاء، فكانت السيّدة الزهراء (عليها السلام) هي المستحقّ الأوحد؛ لأنّها بقيّة النبوّة ووعاء الإمامة. إنّ فدكًا كانت اختبارًا للأمة في حفظ وصيّة نبيّها (صلّى الله عليه وآله)، وهي نِحلة وهبها المصطفى (صلّى الله عليه وآله) في حياته بأمر ربّه، وصادرها القوم تحت ستار حديث مُفترىً على الله ورسوله تفرّدوا بروايته، وخالفوا به صريح الكتاب والسنّة الشريفة. ............. (1) بداية الوصول في شرح كفاية الأصول: ج8، ص397.