الأضحية ولحمة المجتمع

منى إبراهيم الشيخ/ البحرين
عدد المشاهدات : 4

(الأضحية) من السُنن التي حثّ عليها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "لوعلِم الناسُ ما في الأُضحية لاستدانوا وضحّوا، إنّه ليُغفرُ لصاحبِ الأُضحيةِ عند أولِ قطرةٍ تقطُرُ من دمِها"(1)، وظاهر هذا العمل وإنْ كان هو توزيع اللحم والإطعام، لكنّه ينطوي على بُعد تربويّ وفلسفة التسليم، وخلق روح البذل والعطاء، وتحسّس معاناة المحتاجين، والتكافل الاجتماعي، والتراحم بين أفراد المجتمع. سألت (خديجة) خالها الشيخ عن إمكانية استثمار الأضحية بحيث تتحوّل من شعيرة فرديّة إلى مشروع اجتماعيّ، فأجابها الخال بالإيجاب قائلًا: يا بنتي هناك قابلية في موضوع الأضحية؛ لذلك لا يقف تأثير الأضحية عند إشباع البطون الجائعة، بل إنّها طريقة لتحسّس معاناة المحتاجين وباب للتكافل الاجتماعي والتراحم بين أفراد المجتمع، وأهل البيت (عليهم السلام) ربّوا شيعتهم على ذلك، فقد ورد في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يُطعم المساكين ويقول: "أأقنع من نفسي بأنْ يُقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر"(2)، فالقضيّة ليست إشباع البطون فحسب، بل مواساة القلوب لقلوب محتاجة. ـ خديجة: هل توجد مناسبة لتفعيل هذه الفكرة؟ ـ الخال: نعم، يمكن جعل العيد محطّة وبداية لتفعيل هذا التراحم في كلّ الشهور لتكون ثقافة دائمة، فالأضحية تعلّمنا ثقافة تداول الخير ونشره؛ ليكون مبدأ إدخال السرور على المؤمن هو المحفّز، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وما عُبد اللّه بشيء أحبّ إلى اللّه من إدخال السرور على المؤمن"(3)، فإذا دخل السرور بيتًا، تبعه الأمان والسكينة. ـ خديجة: يا خالي، هل هناك بُعدٌ تربويّ آخر للأضحية؟ ـ الخال: نعم، فحين يرى الطفل أباه يُقسّم اللحم، ويقصد الفقير قبل القريب، يتعلّم منه روح العطاء التي حثّ عليها ديننا الإسلامي، ففي الأضحية تقديم حاجات الآخرين على رغبات النفس، فإذا صار اللحمُ لُحمة، وصار العيدُ وعيًا، صار المجتمع جسدًا واحدًا مثلما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمّى والسهر"(4)، فالعيد يذكّرنا بأنّ التضحية ليست طقسًا، بل طريقًا للغايات، وأنّ المجتمع لا يُبنى بالمناسبات، بل بالقيم التي تتولّد منه. ........... (1) علل الشرائع: ج2، ص440. (2) نهج البلاغة: ص359. (3) الكافي: ج2، ص188. (4) المحجّة البيضاء: ج3، ص357.