سجن الإمام الكاظم (عليه السلام) والتمهيد للغيبة
قال الله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ والله سميعٌ عليمٌ( (آل عمران:33-34). ورُوي عن النبيّ المصطفى (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "كلّنا واحد من نور واحد، وروحنا من أمر الله، أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد وكلّنا محمّد"(1). حينما نتأمّل في الآيات البيّنات والأحاديث الشريفة التي تشير إلى فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى تناغم أدوارهم ووحدة صفاتهم وأنوارهم، وحينما نتدارس تاريخهم وأحداث حياتهم وتجلّيات توصياتهم، فسنفهم، ونتدبّر، ونقارن، ونفسّر الكثير ممّا نتناوله من أحوالهم، وسندرك سبل الاقتداء بهم حتى الوصول إلى نصرتهم واتّباعهم بالقول، والفكر، والعمل، ومن ثم الانتصار بهم، ولهم، ومعهم.. يخبرنا التاريخ وتقاسيم وجهه الكالحة المكفهرّة أنّ إمامًا لنا عاش بعد نبيّنا بأقلّ من (200) عام، وكان من ذرّيته المصطفاة التي أذهب الله تعالى عنها الرجس وطهّرها تطهيرًا، لكنّه مع اعتراف مَن حوله بفضله على العالمين وبأحقّيته في الخلافة، لقي من أهل الحكم في عصره ما يندى له جبين الإنسانية قهرًا وتعسّفًا، لا جبين الإسلام فحسب.. لم تكن تلك طفرة من طفرات أهل الحكم، فقد ظلموا وقهروا وشرّدوا، وغدروا بكلّ مَن ناواهم وخالفهم الرأي والاعتقاد، وبكلّ مَن رأوا فيه خطرًا على سلطانهم الدنيوي وتحكّمهم في رقاب العباد، فهل يكون أهل بيت نبيهم حالة خاصّة؟ بلى، لقد كانوا حالة خاصّة، لا في تفضيلهم وتنزيههم عمّا افتروا به على سواهم من جور واضطهاد، بل في تخصيصهم بأقصى أنواع التنكيل وأشدّها من دون مراعاة لقرابتهم من الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي يدّعي هؤلاء الأباطرة الانتساب لدينه زورًا وبهتانا، حتى صدق فيهم على وجه العموم قول إمامنا زين العابدين (عليه السلام): "لو أنّ النبي تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا"(2). نعود إلى ذكر إمامنا المقهور المذكور في السطور السابقة، ومع أنّ ما لقيه لم يكن غريبًا من جلاوزة الحكم، فقد لقي أسلافه الطاهرون من أسلافهم الناكرين مثل ما لقي، لكنّ هارون العبّاسي زاد على مَن سبقه في التنكيل بالإمام الكاظم (عليه السلام) أشواطًا، فهو لم يتورّع عن سجنه والتضييق عليه وتعذيبه، مع أنّ بعض الناصحين حذّروه من مغبّة فعله، لكنّ جوابه كان دائمًا بالتهرّب من محاسبة الناس له، كأن يتّخذ لنفسه الأعذار في حبسه بأنّه ينازعه المُلك، وقد فاته أنّه لم يكن ينازعه إلّا حبّ الناس له وتقديرهم لشخصه العظيم، وهو أمر لم يكن بمقدور هارون أنْ ينال منه، بل كان لا يزداد (عليه السلام) على التضييق إلّا اتّساعًا، وعلى الحبس له في غياهب السجون والمطامير إلّا انتشارًا وإشعاعًا. لم يكن الإمام الكاظم (عليه السلام) أول الأئمة تعرّضًا للحبس والتنكيل، فقد كان الإمام السجّاد (عليه السلام) أول من أُسر ونُكّل به على يد جلاوزة بني أمية بعد استشهاد أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم كان للإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) مواقف ضيّق فيها عليهما طغاة زمانهما، حتى نالوا الشهادة على أيديهم الآثمة غدرًا وظلمًا وعدوانًا، مثلما أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يكن آخر الذين طالهم السجن من أهل البيت (عليهم السلام) أيضًا، فقد نُفي ولده الرضا (عليه السلام) من مدينة جدّه، ثم أقام إقامة قسرية في مدينة (مرو) بأمر المأمون العبّاسي حتى استشهاده، ولم يسلم من أذى الإقامة الجبرية والتنكيل والغدر ولده الجواد (عليه السلام)، بل إنّ الإمام الهادي (عليه السلام) كان له سجنٌ يتماهى مع سجن جدّه وإنْ كانت مدّته أقصر، وكان للإمام العسكري (عليه السلام) إقامة جبرية مع والده الهادي (عليه السلام) وبعده في بيتهما بسرّ مَن رأى، وهو سجن من نوع آخر.. لكن ما يستدعي إلى الأذهان الحرقة والألم على سجن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه كان شديد الوطأة على القلوب، فقد كان تطاولًا على مقام الإمام واستخفافًا به، وهو مَن هو عند العدوّ والصديق، لكنّها الدنيا التي أعمت عيون هارون عن اتّباع الحقّ على الرغم من معرفته به، وجعلته يقول لولده في معرض حديث لهما: (الملك عقيم، ولو نازعتَني أنتَ هذا الأمر لأخذتُ الذي فيه عيناكَ)(3). لقد سجن هارون العبّاسي الإمام الكاظم (عليه السلام) بعدما وشى به الواشون، وحسدًا على ما كان له من مقام لا تطاله الألباب ولا العيون، فخسر بذلك خسرانًا مبينًا. لقد زاد عدد سنين سجن الإمام (عليه السلام) حتى وصل إلى (14) سنة على بعض الروايات، أي ما يعادل ربع عمره الشريف تقريبًا، في ظروف صعبة كانت تنفرج حينًا لتقدير بعض سجّانيه له، كالفضل بن يحيى البرمكي الذي أكرمه ولم يطع أمر هارون بالتضييق عليه؛ لأنّه كان يتشيّع سرًّا، وكانت تلك الظروف تضيق في كثير من الأحيان حتى وصل (عليه السلام) إلى سجن السندي بن شاهك، آخر سجونه، والذي كان عبارة عن طامورة رطبة مظلمة لا متنفّس لها إلّا فتحة في أعلاها، وقد ربطت إلى ساقه كرة حديدية تزن ثلاثين رطلًا، وكان ذلك السجن هو الصومعة التي التحق (عليه السلام) منها إلى الرفيق الأعلى، بعد أنْ لم يكتفِ منه هارون بالسجن والتعذيب، ولم يجدِه كلّ ما فعله معه بإطفاء نوره الذي كان لا يزداد إلّا توقّدًا، فدسّ إليه السمّ واستُشهد (سلام الله عليه) غريبًا مظلومًا كآبائه الطاهرين (عليهم السلام)، لكنّه (عليه السلام) مع كلّ تلك الأفاعيل التي استهدفته، لم يُقصى عن دوره في هداية الأمة، وعيّن وكلاء من أصحابه المخلصين الذين كانوا يلتقون به بين الحين والآخر وكانوا الواسطة بينه وبين شيعته. قد مهّد الإمام الكاظم (عليه السلام) لموضوع الغَيبة عن طريق تعيين الوكلاء والسفراء ليكونوا الواسطة بين المعصوم والأمة، وكذلك فعل الأئمة اللاحقون (عليهم السلام) وقد ختمها الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) بنوّابه الأربعة في حقبة الغَيبة الصغرى، أمّا في زمن الغَيبة الكبرى فقد رُوي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "فأمّا مَن كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالفًا لهواه ومطيعًا لأمر مولاه فللعوام أنْ يقلّدوه"(4). لقد أراد الطغاة عبر التاريخ تغييب شخص الإمام (عليه السلام) عن شيعته عَبر السجن تارة والإقامة الجبرية أخرى، وبالترهيب والتنكيل، لكنّهم من حيث لم يشعروا، كان لهم دور في تثبيت فكرة التقليد للعلماء الربّانيين ووكلاء الإمام وثقاته؛ ليعلم العالم أنّ الانتصار الحقيقي هو انتصار الروح لا المادّة، وتفوّق الفكر لا القهر، وتغلّب الصبر، والشكر على كلّ أمر. .............. (1) بحار الأنوار: ج26، ص16. (2) المصدر نفسه: ج45، ص148ـ149. (3) المصدر السابق: ج11، ص270-272. (4) وسائل الشيعة: ج18، ص94-95.