القيم الأخلاقية وعظمة المواقف: مسلم بن عقيل (عليه السلام)

وفاء أحمد الطويل/ القطيف
عدد المشاهدات : 3

متى تصبح القِيم مسارًا، والمواقف هوية لا تتشظّى عند الأزمات؟ في منعطفات التاريخ الكبرى يُولد من رحم المواقف رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال حلّقوا بحياتهم من الدنيا إلى العليا عَبر مبادئهم القويمة وعقائدهم السليمة، ومن بين هذه الشخصيات السامقة تبرز شخصية مسلم بن عقيل وأبنائه (عليهم السلام) بنيةً إيمانيّةً فريدةً تعبّر عن انسجام داخلي نادر بين العقيدة والمصير. وفي حقّ عقيل نورد ما قاله الإمام عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): "يا رسول الله، إنّكَ لتحبّ عقيلًا، قال: إي والله إنّي لأحبّه حبّينِ، حبًّا له وحبًّا لحبّ أبي طالب له، وإنّ ولده مقتول في محبّة ولدكَ، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون" ثمّ بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: "إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي"(1). ولا غرو فمسلم ينتمي إلى بيت الأصالة والشرف والشجاعة والرشد، فهو ابن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)، وعمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، وهذا الانتماء الهاشمي منحه تركيبًا نفسيًّا خاصًّا، وعقيدة سليمة وبسالة، واستعدادًا غريزيًا لنصرة الحقّ، ونفورًا فطريًا من الباطل والذلّ، فاتّسم بقوة الشخصية وصلابة الإيمان، والبأس في الميدان، فهو امتداد لمدرسة قيمية أُسّست على الحقّ والوعي والبصيرة، وعندما تتابعت رسائل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بطلب النصرة، أرسله الإمام (عليه السلام) ممثّلًا عنه ليستطلع حقيقة الأمر ويأخذ البيعة من الناس، فدخل الكوفة في ظرف بالغ التعقيد، واستطاع بحكمته أنْ يجمع حوله آلاف الكوفيين الذين أعلنوا تأييدهم للإمام الحسين (عليه السلام)؛ لكنّ وصول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة غيّر موازين القوى، إذ أحكم قبضته بسياسة الترهيب والوعيد، وزرع الخوف في القلوب، وسجن المؤمنين، حتّى تفرّق الناس عن مسلم شيئًا فشيئًا، فجاء استشهاده تمهيدًا للأحداث التي بلغت ذروتها لاحقًا في ملحمة كربلاء المفجعة. أمّا عن أبنائه الذكور، فقد جسّدوا الامتداد التكويني ذاته، فاستُشهد محمّد وعبد الله يوم الطفّ، واثنان قُتلا بالكوفة، تجلّى فيهم الوعي والشجاعة، والاستعداد للتضحية المطلقة في سبيل المبدأ، وقد تجلّى ذلك في مشاركتهم في ملحمة كربلاء والأحداث التي بعدها. ورث أبناء مسلم (عليه السلام) القيم والمواقف مثلما ورثوا الدم والجينات الهاشمية، سلالة تبلورت في ساحات الابتلاء ومُحّصت أيّما تمحيص، فالظلامة التي تعرّض لها أبناء مسلم بن عقيل على الرغم من صغر أعمارهم، تمثّل واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا وفظاعة في ذاكرة الطفّ، وتكشف عن إفلاس العنف أمام براءة الطفولة التي انتصروا عليه أخلاقيًّا؛ ليتحوّل الثبات إلى موقف خلّده الزمن. ............ (1) أمالي الشيخ الصدوق: ص128.