إطلالة على ذكرى فاجعة
في صباح مثقل بالحزن، استيقظت المدينة على صمت غريب، كأنّ الجدران نفسها تتهامس بفاجعة لا تُحتمل، لم يكن يومًا عاديًّا، بل كان صباحًا تشقّه الذكريات، وتُثقل فيه الأرواح بما جرى من ظلم تجاوز حدود الإنسانية، حتى كأنّ القلوب جميعها بمَن فيها الظالم ارتجفت من هول ما حدث. ففي الثالث والعشرين من ذي الحجّة عام (62هـ) تعود الذاكرة إلى قصّة دامية من قصص الألم، حين امتدّت يد البطش لتطال براءة الطفولة بعد ما جرى في واقعة الطفّ، وما حلّ بأهل بيت النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فلم تهدأ آلة الظلم بل استمرّت تلاحق حتى الصغار الذين لم يعرفوا من الدنيا سوى الخوف والفرار. محمّد الأصغر وإبراهيم طفلا مسلم بن عقيل (عليه السلام) نسل النجباء الأطهار، وجدّهما أبو طالب (عليه السلام) طفلان تائهـان بين ظلال الرعب، فرّا من السجن بحثًا عن أمان لم يكن موجودًا في زمان أُغلقت فيه أبواب الرحمة، كانت خطواتهما الصغيرة ترتجف على طرقات لا تعرف سوى القسوة، وعيونهما تحمل سؤالًا بسيطًا: أين المفرّ؟ لكنّ الظلم كان أسرع حين علم عبيد الله بن زياد-لعنه الله-بهروبهما، أطلق رجاله في كلّ اتّجاه، كأنّ الأرض ضاقت بهذين الطفلين، فلم يكن المطلوب عدلًا، بل النهاية بأيّ ثمن، وبينما كان الأمل يوشك أنْ يتلاشى، وقع الطفلان في قبضة رجل قست ملامحه قبل قلبه، هو الحارث بن عروة الطائي الذي لم يرَ فيهما سوى وسيلة لنيل المكافأة. عند ضفاف الفرات حيث يُفترض بأنْ يكون الماء رمز الحياة، كُتبت هناك نهاية موجعة، سُلبت البراءة، وانطفأت روحان لم تذوقا من الحياة سوى مرارتها، وحُمل الرأسان الشريفان إلى الطاغية، لا بوصفهما خبرًا يُروى، بل جريمةً تُضاف إلى سجلّ مثقل بالدماء الزاكية. ليست هذه الحادثة مجرّد ذكرى عابرة، بل جرح مفتوح في ضمير الإنسانية، إنّها صرخة في وجه كلّ زمن يُنتهك فيه الحقّ، وتُستباح فيه الطفولة، ويُبرّر فيه الظلم، فما حدث لم يكن مأساةً تاريخيةً فحسب، بل درسًا خالدًا بأنّ الطغيان مهما طال فلا يستطيع أنْ يمحو أثر البراءة التي سُفكت ظلمًا. وفي كلّ عام حين تعود هذه الذكرى، لا نحيي الألم فحسب، بل نجدّد العهد بأنْ تبقى الإنسانية أعلى من كلّ سيف، وأنْ يُروى هذا الحزن لا ليزيدنا انكسارًا، بل ليمنحنا وعيًا، ورفضًا، وإصرارًا على رفض الظلم في كلّ زمان ومكان.