زهير بن القين: رحلة الوفاء

هاشمية لفتة عبد/ بغداد
عدد المشاهدات : 1

زهير بن القين البجلي من شيوخ قبيلة (بجيلة) ومن رجال الكوفة المعروفين برجاحة العقل وكرم النفس. عاش وجيهًا في قومه، وشهد بعض المعارك، وتذكر المصادر التاريخية أنّه كان متردّدًا في الالتحاق بركب الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنّ ضميره حيّ وشخصيّته فذّة، وتكمن عظمة قصّته في التحوّل الصادق لمّا انكشفت له الحقيقة، وبان له الصراط القويم، فتمسّك بهما من دون تردّد، فصار أنموذجًا صادقًا للمؤمن الذي لا يساوم على المبادئ مهما كلّفه ذلك من ثمن، ففي أثناء عودته من أداء فريضة الحجّ وفي منطقة تُدعى (زرود)، صادف وجوده في الطريق نفسه الذي كان يسلكه ركب الإمام الحسين (عليه السلام)، ففي البداية حاول زهير تجنّب اللقاء بالإمام الحسين (عليه السلام)، ولمّا أرسل إليه الإمام (عليه السلام) رسولًا يدعوه إليه تردّد في الاستجابة، ودار في نفسه صراع شديد بين ما ألفه وبين ما يملي عليه ضميره، إلّا أنّ زوجته الصالحة (دلهم بنت عمرو) كان لها دور مفصلي في تشجيعه على تلبية الدعوة حين قالت له: (أيبعث إليكَ ابن رسول الله ثم لا تأتيه)؟(1)، فلبّى زهير دعوة الإمام الحسين (عليه السلام) وذهب إليه مسرعًا، ثم عاد مستبشرًا وقد تبدّلت قناعاته تمامًا، وأعلن ولاءه المطلق للإمام الحسين (عليه السلام) والسير على نهجه بعد أنْ أدرك أنّ الحقّ معه يدور حيثما دار، وأنّ المسألة ليست قضية شخصية أو مجرّد موقف عابر، بل هو أمر عظيم يتعلّق ببقاء الإسلام أو اندثاره، وقد أظهر زهير بن القين ولاءً لا يُضاهى، فطلّق زوجته وأمرها باللحاق بأهلها لئلّا يصيبها سوء بسببه، ثمّ وهب نفسه وما يملك لنصرة إمام زمانه، وتشهد بهذا الولاء كلماته المأثورة حين قال: (واللهِ لوددتُ أنّي قُتلتُ ثم نُشرتُ، ثم قُتلتُ، حتى أُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله يرفع بذلك القتل عن نفسكَ وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتكَ)(2)، ولم يقتصر دوره على القتال فحسب، بل كان داعية إلى الحقّ، رافعًا صوته بالنصيحة، محذّرًا القوم من التمادي في الغيّ، داعيًا إياهم لنصرة ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته، واستأذن الإمام الحسين (عليه السلام) في القتال فأذن له، فبرز إلى المعركة وهو يرتجز قائلًا: أنا زهير وأنا ابن القينِ أذودكم بالسيفِ عن حسينِ إنّ حسينًا أحد السبطينِ من عترة البَرّ التقي الزينِ(3) ثم حمل على القوم ولم يزل يقاتل حتى قتل خمسين فارسًا قبل أنْ ينال وسام الشهادة، فوقف الإمام الحسين (عليه السلام) على جسده الشريف مترحّمًا عليه. نستلهم من سيرة زهير بن القين (سلام الله عليه) أنّ الإنسان قادر على اتّخاذ القرار الصحيح والانحياز إلى جبهة الحقّ حتى في أصعب اللحظات الحاسمة، فقد نال زهير حُسن العاقبة، وانتهى به المطاف واحدًا من أعظم أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) وقادة جيشه الذين رافقوه في درب الفداء، وثبتوا معه حتى الشهادة، وانتقل من حال إلى حال، فخلد اسمه في سجلّ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ............. (1) الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص105,104. (2) الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص93. (3) بحار الأنوار: ج45، ص25