رياض الزهراء العدد 231 طفلك مرآتك
تمر وماء: درس في العطاء
في صباح يومٍ حزين، كانت الشوارع هادئة والناس يلبسون السواد إحياءً لذكرى استشهاد ميثم التمّار (رضوان الله عليه)، كان الجميع يحاول أنْ يفعل شيئًا طيّبًا ولو بسيطًا هديةً لروحه الطاهرة. وفي زاوية من الطريق، افترش رجلٌ فقيرٌ الأرض، ووضع أمامه صحنًا صغيرًا يحوي بعض التمر، وبجانبه كأس من الماء البارد، ويقول للمارّة بصوته الهادئ: تفضّلوا، هذا ثواب على روح ميثم التمّار (رضوان الله عليه)، لم يكن حوله الكثير من الناس، لكن وجهه كان مبتسمًا، كأنّه سعيد بما يفعل. كان (فضل) يسير مع أبيه وهو ينظر إلى أماكن تجمّع الناس حيث الطعام والشاي، ثم التفت فرأى الرجل فتوقّف وضحك قليلًا وقال بصوتٍ عالٍ: أبي، انظر لهذا الرجل، عنده تمر وماء فقط، وهو قليل جدًا، طأطأ الرجل رأسه عند سماعه الكلمات وشعر بشيءٍ من الحزن. توقّف الأب فورًا، ونظر إلى ابنه بجدّية، ثم أمسك بيده وقال: تعال يا بنيّ، دعنا نجلس قليلًا. جلسا على الرصيف، وقال الأب بهدوء: يا بنيّ، هل تحسب أنّ الله سبحانه وتعالى ينظر إلى حجم الأشياء؟ قال (فضل): ربّما؛ لأنّ الأشياء الكبيرة أفضل! هزّ الأب رأسه وقال: كلّا، إنّ الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلب الإنسان، هذا الرجل ربّما لا يملك غير هذا التمر والماء، لكنّه قدّمها من قلبه. سأل (فضل): يعني هذا العطاء القليل ذو أهمّية؟ ابتسم الأب وقال: نعم، مهمّ جدًا، تخيّل أنّكَ تمتلك قطعة حلوى واحدة فقط، ثم أعطيتها لشخص آخر، أليس هذا جميلًا؟ قال (فضل): أجل، لأنّي أعطيتُ كلّ ما عندي. قال الأب: أحسنتَ يا ولدي، وهذا الرجل فعل الشيء نفسه؛ لذلك عمله عند الله (عزّ وجلّ) كبير، حتى لو بدا صغيرًا لنا. بدأ (فضل) يشعر بالخجل، وطأطأ إلى الأرض، ثم قال الأب بلطف: يا بنيّ، لا تضحك على الخير أبدًا؛ لأنّكَ لا تعرف كم هو كبير عند الله (عزّ وجلّ)، فربّما كلمة طيّبة، أو حبّة تمر صغيرة تكون أثقل من أشياء كثيرة. قال (فضل) بصوت منخفض: أنا أخطأتُ يا أبي. قال الأب: لا بأس يا ولدي، فالمهمّ أنْ تتعلّم، ماذا يجب أنْ تفعل الآن؟ قال (فضل): سأعتذر منه. توجّه (فضل) ببطء نحو الرجل وهو يشعر بالخجل، ثم قال للرجل: عمّي، أنا آسف لأنّني ضحكتُ على ما تقدّمه. رفع الرجل رأسه، وابتسم بلطف، وقال: لا عليك يا بنيّ، أنتَ طيّب، فنظر (فضل) إلى التمر وعاد إلى أبيه قائلًا: أبي، أريد أنْ أشارك أيضًا، أريد أنْ أقدّم ثوابًا. فرح الأب كثيرًا، وأخرج عملة من جيبه وقال: خذها، وتذكّر أنّ العمل الصغير مع قلب طيّب يصبح كبيرًا. أخذ (فضل) النقود ووضعها أمام الرجل، ثم قال بحماس: هل أستطيع أنْ أساعدكَ؟ ابتسمَ الرجل وقال: بالطبع يا بُنيّ. وقف (فضل) بجانبه، وبدأ ينادي بصوتٍ عالٍ: تفضّلوا، هذا ثواب على روح الشهيد ميثم التمّار (رضوان الله عليه). مع كلّ شخص كان يمرّ من جانبهما، كان (فضل) يشعر بالسعادة، كأنّ قلبه أصبح أكبر. نظر الأب إليه من بعيد، وابتسم وقال في نفسه: اليوم تعلّم ابني درسًا مهمًّا، فالخير لا يُقاس بحجمه، بل بقلب صاحبه.