ندم متأخر

كوثر حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 1

بينما تحرّك الرياحُ أغصانَ الياسمين العطرة، وتنسجُ الشمسُ خيوطًا من نورها لتنشرها في كلّ مكان، تمتزجُ ضحكاتُ الصغار بأناشيدهم الجميلة التي حفظوها من المدرسة. تطير من حولهم الحمامات البيضاء لتصنع مشهدًا لحياة جميلة وهادئة، ومن بين كلّ هذا الجمال والنِعم العديدة، في ذلك الحيّ تقفُ هي بعينٍ واحدة تراقبُ بصمت، وتنظرُ بحذر، تسترقُ السمع كأنّها تترقّبُ وقوع كارثة ما. أذنُها ممتدّةٌ نحو الجيران، تُلصقُها بالجدران ليتسنّى لها معرفة المزيد من أسرارهم. تلتقطُ من الألسن رؤوس الكلمات، وتصنعُ قصّةً من خيالها المظلم، ثم تنشرها لتستمتع بمشاهدة سيناريوهاتها وهي تُغيّر حياةَ الآخرين وتهدمها شيئًا فشيئًا. في كلّ بيت يجاورها ثمّة حزن، هي مَن صنعه، وذلك ما يجعلها مرتاحة ويُشعرها بالإنجاز. تجاهلتْ منظر الحياة الخضراء التي تحيط بها من كلّ جانب، واختارتْ لنفسها جوًّا مغمورًا بالتحقّق والتدقيق في أمور الناس الخاصّة والعامّة، فكلّما نظرتُ إليها رأيتُ في ملامحها قلقًا مستمرًّا وشغفًا كبيرًا لمعرفة الأخبار التي لا تخصّها، والخوض في التفاصيل التي لا تعنيها، ثم أسألُ نفسي: ما الذي يدفعُ الإنسانَ إلى أنْ ينبذ النعمة ويختار المشقّة؛ ليبدو غريبًا تعيسًا كهذه المرأة؟ فلا أجدُ جوابًا شافيًا، ولا ردًّا يُقنعني بأنّها سويّة. كبرَ الصغارُ وصاروا شبابًا، وذبلت الأغصان، ثم عادتْ إليها الحياة، وهي ما تزال على حالها تنتظر خبرًا لتزيّفه، ومشكلةً لتهوّلها، وفرحةً لتطمسها. مرَّ من جانبها الكثيرُ من الأشياء التي لا تُعوَّض، ولم يتّسعْ لها الوقتُ لتراها، لم تُوفَّق في التأمّل وقتَ الشروق، ولا حضرتْ مشهدَ الغروب، لم ترَ تسابقَ الغيوم، ولا اختلاجَ النجوم من خلفها، فاتتها لحظة التقاء قطرات المطر بحبّات الرملِ المتناثرة، فاتها العمرُ كلّه وهي سجينة التجسّس، أسيرة الفضول القاتل. لم تعشْ حياتها، بل عاشتْ عمرها في حياة الآخرين، وعندما انتبهت، وجدتْ نفسها قد ضاعت وأضاعت، وأنّ ما فاتها كان حياةً كاملةً نثرتْها بكامل رغبتها هباءً في العراء. وكلّ ما جنته بعد الصحوة كمًّا هائلًا من الندم، ولات ساعة مندم.