ما لا نلتفت إليه في بيوتنا: قوة الأبناء أم هشاشتهم النفسية؟
هناك أشياء لا تُكسر بالأيدي لكنّها تتشقّق بصوتٍ منخفض لا يسمعه أحد، ليس بسبب صدمة كبيرة، ولا حادثة استثنائية، إنّما بسبب التفاصيل الصغيرة التي تتكرّر وتتراكم داخل النفس مع مرور الوقت، ففي الظاهر كلّ الأمور تبدو طبيعية، فالحياة مستمرّة، والتجمّعات العائلية منتظمة، والضحكات تملأ الأرجاء ممزوجة بالأحاديث اليومية، لكن تحت هذا الإيقاع المألوف قد تتشكّل قناعات صامتة في أعماق الأبناء من قبيل: هل أنا مقبول؟ هل مشاعري مرحّب بها؟ هل الخطأ يعني أنّني سيّئ أم أنّني إنسان يتعلّم؟ إنّ الآباء والأمّهات يخافون على أبنائهم من البيئة الخارجية والعالم خارج المنزل، ويحاولون تحصينهم من الشارع عن طريق مراقبة أفعالهم ودائرة أصدقائهم، يقلقون من التأثيرات البعيدة، لكنّهم نادرًا ما يسألون أنفسهم أيّ أثر تتركه طريقتهم في التربية من حيث الأسلوب ولغة التعامل في نفوس الأبناء، ولا يمكن قياس ذلك بالقرارات الكبيرة، بل بردود الأفعال على المواقف الصغيرة داخل البيت لكونه مناخًا نفسيًا ومركز الراحة والطمأنينة، لكن قد يعيش الطفل في منزل يبدو في الظاهر مستقرًّا بيد أنّ الطفل يتصرّف داخل البيت بحذر شديد، فيخشى إظهار ضعفه أو حزنه، وقد يختار الصمت لأنّه أدرك أنّ الصراحة ستُقابل بالسخرية أو التقليل من شأنه، ومع مرور الوقت يفقد التعرّف على ماهية مشاعره وكيفية التعامل معها؛ لأنّه اعتاد أنْ يدفن مشاعره قبل أنْ يفهمها. في هذا العصر لابدّ من أنْ نُربّي أطفالنا بذكاء، فالهشاشة النفسية التي يكبر بها الطفل لا تأتي دائمًا من موقف صادم كبير أو من القسوة، بل أحيانًا تكفي المقارنة بين الإخوة، أو تعليق ساخر في لحظة غضب، أو تجاهل متكرّر لكلام الطفل؛ لأنّ الكلمات التي نظنّها عابرة تتحوّل إلى تعريف دائم للذات، فحين يسمع الطفل مرارًا أنّه حسّاس أكثر من اللازم أو أنّه ضعيف الشخصية يبدأ في تصديق ذلك ويعيد تشكيل شخصيته وفق هذا الوصف. التربية ليست تعليم الصواب والخطأ، بل هي تدريب يومي على فهم المشاعر وإدارتها، فحين نغضب على الطفل هل نشرح له سبب غضبنا أم نكتفي بالصراخ؟ وحين يخطئ الطفل هل نناقشه في سلوكه أم نهاجم شخصه؟ فالفرق بين الأمرين دقيق وعميق الأثر؛ لأنّ نقد الفعل يفتح باب التصحيح، أمّا نقد الشخص فيزرع شعورًا بالنقص، مثلما أنّ الخلط بين الهيبة والخوف أحد أكثر الأخطاء شيوعًا، إذ نحسب أنّ رفع الصوت يعزّز من الاحترام، وأنّ الشدّة تبني شخصية قوية، في حين أنّ الخوف قد يولد طاعة مؤقّتة، بينما الهيبة النابعة من الفهم تصنع التزامًا نابعًا من الداخل، فالطفل الذي يُسمح له بالسؤال عن سبب القواعد، ينمو واثقًا لا خائفًا. والأخطر من الصوت المرتفع أحيانًا هو الصمت البارد، فحين يتجاهل الأب أو الأمّ مشاعر الطفل أو يقلّلان من شأنها، ينشأ فراغ عاطفي قد يدفعه لاحقًا للبحث عن الاحتواء في أماكن أخرى ربّما لا تكون آمنة، وعندها يظنّ الأهل أنّ الخطر جاء من خارج الأسرة بينما جذور الخطر بدأت من نقص الاحتواء في داخل الأسرة. يجب أنْ نتأنّى في ردود أفعالنا تجاه الأبناء، ونصغي إليهم أكثر ممّا ننصحهم ونقدّم المواعظ لهم، وأنْ نعترف بأخطائنا حين نقع فيها؛ لأنّ الاعتذار لأفراد الأسرة ليس ضعفًا، بل رسالة قوية مفادها أنّ الاحترام متبادل، وأنّ الكرامة حقّ للجميع. وأخيرًا، المواقف التي لا نعيرها أهمّية داخل الأسرة قد تكون العامل الأعمق في تشكيل مستقبل أبنائنا، والتفاصيل الصغيرة كنبرة الصوت، وطريقة التوجيه، وأسلوب الاحتواء، كلّها تبني إنسانًا من الداخل، فالبيت الذي يمنح أبناءه أمانًا عاطفيًا حقيقيًا، لا يحميهم من أخطار العالم الخارجي فحسب، بل يمنحهم القدرة على مواجهتها بثقة واتّزان.