رياض الزهراء العدد 231 بريد القراء
رحلة مدرسية أم رحلة مدرسية
ليست كلّ الحكايات التي تُولد في ساحات المدارس مجرّد ذكريات عابرة، فبعضها يتحوّل إلى محطّات نفسية عميقة، تكشف لنا كيف تُبنى الثقة، وكيف تُهدم بكلمة. في إحدى الفُسح المدرسية إذ كانت ساحة المدرسة تضجّ بأصوات الطالبات وضحكاتهنَّ، جلستُ أراجع مادّة الأحياء استعدادًا للحصّة القادمة، وكنتُ يومها في الصفّ الخامس الإعدادي، لم أكن حينها أنصت لشيء سوى لأفكاري، لكن حديثًا قريبًا منّي لمجموعة من الطالبات تسلّل إلى سمعي من دون قصد، إذ قالت إحدى الزميلات بخجل وارتباك إنّ أحدهم تقدّم لخطبتها، لم يكن في صوتها استعراض أو تفاخر، بل مزيج من الدهشة والحياء، غير أنّ الردّ من إحداهنَّ جاء سريعًا وقاسيًا: أنتِ؟! مَن يتقدّم لخطبتكِ؟! ومَن ينظر إليكِ أصلًا؟! في لحظة واحدة، تغيّرت ملامح تلك الفتاة واهتزّ صوتها، كأنّها تحاول أنْ تُمسك بكرامتها قبل أنْ تسقط، فسارعت إلى التبرير بقولها: أنا لم أوافق أصلًا، فما أزال صغيرة. قد يبدو الموقف بسيطًا في ظاهره، وربما يُصنّف تحت مسمّى (التنمّر)، لكنّه في حينه كان يُمرّر على أنّه مزاح ليس إلّا، بَيْد أنّ البُعد النفسي كان أعمق، فالسخرية العلنية أمام الآخرين تضع الإنسان في موقف انكشاف حادّ، وتوقظ داخله شعورًا بالرفض الاجتماعي؛ لذلك تشير الدراسات النفسية إلى أنّ الدماغ يتعامل مع الإهانة الاجتماعية بطريقة قريبة من تعامله مع الألم الجسدي، إذ كلاهما يُحدثان أثرًا حقيقيًا في مراكز الإحساس بالألم، ومع تكرار مواقف كهذه، يبدأ ما يُعرف بـ(الاستبطان السلبي)، إذ تتسلّل الكلمات الجارحة إلى النفس وتتحوّل إلى قناعات: ربّما أنا غير كافية، غير لائقة، لا أستحقّ. أمّا الطرف الآخر الذي يمارس السخرية، فغالبًا لا يتحرّك من موقع قوّة حقيقية، بل من حاجة نفسية خفيّة لإثبات التفوّق، أو من شعور بالنقص، أو من الغيرة في البيئات الجماعية، وقد يتحوّل الضحك المشترك إلى وسيلة لإقصاء فرد واحد؛ ليشعر الباقون بالأمان داخل دائرة القبول. هنا يبرز السؤال الأهمّ: لماذا لا نفكّر في كلماتنا قبل أنْ ننطق بها؟ ومَن منحنا حقّ تقييم الآخرين، ووضع معايير للجمال أو الاستحقاق أو القبول؟ الكلمات قد تبدو عابرة، لكنّها في الحقيقة تُحدث شرخًا في روح كانت تحاول أنْ تثق بنفسها، وأحيانًا لا يكون الألم في الكلمة ذاتها، بل في النظرة التي توحي للآخر بأنّه أقلّ ممّا ينبغي. تلك الحادثة لم تكن عن خطبة أو زواج، بل عن قيمة الإنسان في أعين الآخرين، وعن حقيقة يجب أنْ ندركها ونعيها ونعمل بها دائمًا، ألا وهي أنّ الكرامة لا تُقاس برأي عابر، ولا تُحدّد بمقياس شخصيّ ضيّق.