حين يحقق الطالب طموحه: كيف يصنع التخصص طريق التفوق بعد التعثر في مرحلة المتوسطة؟

ضمياء حسن العوادي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 3

إنّ دراسة التخصّص الذي يرغب به الطالب يكون أشبه بتجربة غامرة بالسعادة يعيشها بفرح ويستمتع بنجاحه، وقد خضتُ هذه التجربة حين اخترتُ التخصّص الذي أحبّه، وظننتُ أنّني الوحيدة في هذا الشعور؛ لأنّني أحبّ هذا التخصّص، لكن عندما لاحظتُ بعض الطلاب كيف تحسّنت درجاتهم من المقبول إلى الامتياز حين انتقلوا إلى الإعدادية المهنية، وتميّزوا في تخصّصهم وأصبحوا من الأوائل بعدما كانوا يدرسون مجبرين، توصّلتُ إلى بعض الاحتمالات التي تكشف لنا أنّ الأمر لا يتعلّق بالذكاء وحده، بل بمجموعة من العوامل النفسية والتربوية والمعرفية التي تتفاعل معًا لتُظهر قدرات الطالب الحقيقية عندما يجد المسار المناسب له، منها التخصّص واكتشاف الميول الدراسية، ففي المرحلة المتوسّطة يدرس الطالب مجموعة كبيرة ومتنوّعة من الموادّ، بعضها قد لا ينسجم مع ميوله أو قدراته، فيشعر بالضغط أو النفور منها، فينعكس ذلك على تحصيله العام، أمّا في المرحلة الإعدادية ومع دخول الطالب إلى نظام التخصّص تبدأ الصورة بالوضوح، إذ يتّجه إلى المسار الذي يشعر أنّه أقرب إلى اهتماماته، سواء كان علميًا أم أدبيًا، حينها يتحوّل التعلم من عبءٍ ثقيل إلى تجربة ذات معنى ليصبح الطالب أكثر رغبة في التعلّم والدراسة، فالتعلّم القائم على الميول والرغبة يولّد دافعًا داخليًا، وهذا الدافع بمنزلة الوقود الحقيقي للتفوّق والإبداع، فضلًا عن النضج العقلي وتطوّر القدرة على الفهم، والتحليل والاستنتاج، والربط بين الأفكار مع تقدّم الطالب في العمر بسبب عامل النضج؛ ليصبح أكثر قدرة على استيعاب المفاهيم المجرّدة، وأكثر استعدادًا للتفكير النقدي مقارنة بمرحلة المتوسّطة التي يغلب عليها الحفظ والتلقّي، وهذا النضج المعرفي يساعد على التعامل مع الموادّ الدراسية بوعي أعمق يستطيع عن طريقه الربط بين الموضوعات وبناء معرفة متماسكة بدلًا من حفظ معلومات متفرّقة. مميّزات مرحلة الإعدادية: 1ـ وضوح الهدف والشعور بالمسؤولية: تُعدّ مرحلة الإعدادية نقطة تحوّل في وعي الطالب بالمستقبل، ففي هذه المرحلة يبدأ التفكير الجدّي بشأن الدراسة الجامعية والمهنة التي يحلم بها، هذا الوعي يولّد شعورًا بالمسؤولية تجاه الدراسة، ويجعل الطالب أكثر حرصًا على تنظيم وقته وبذل الجهد في التحصيل؛ لكونه يرى في دراسته طريقًا واضحًا إلى تحقيق طموحاته، فيتعامل مع الكتاب والقلم بروح مختلفة، والدراسة لم تعدْ بالنسبة إليه مجرّد واجب يومي، بل خطوة نحو تحقيق الذات. 2- تقليل التشتّت المعرفي: كثرة الموادّ الدراسية في المرحلة المتوسّطة قد تشتّت جهد الطالب، بخاصّة إذا كان يجد صعوبة في فهم بعض الموادّ الأساسية، أمّا في نظام التخصّص، فإنّ تركيزه ينصبّ على مجموعة محدّدة من الموادّ، ممّا يساعده على توجيه طاقته الذهنية بشكل أفضل، فبدلًا من أنْ يتوزّع جهده بين موادّ كثيرة، يصبح قادرًا على التعمّق في موادّ أقلّ عددًا، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على مستوى فهمه وتحصيله. 3- البيئة التعليمية الجديدة: تؤدّي البيئة المدرسية دورًا مهمًّا في التحوّل العلمي، ففي المرحلة الإعدادية غالبًا ما يكون أسلوب التدريس أكثر عمقًا، ويعتمد الحوار، والمناقشة، والتحليل، ممّا يتيح للطلبة فرصة أكبر للتعبير عن أفكارهم وإظهار قدراتهم، وطبيعة المنافسة بين الطلبة في هذه المرحلة قد تشكل دافعًا إضافيًا للجدّ والاجتهاد، بخاصّة عندما يشعر الطالب أنّ مستقبله الدراسي أصبح أكثر ارتباطًا بنتائج هذه المرحلة. 4- اكتشاف القدرات الكامنة: كثير من الطلاب يمتلكون قدرات كامنة لا تظهر في المراحل الدراسية الأولى بسبب عدم توافق الموادّ مع طبيعة ميولهم، فقد يكون الطالب ضعيفًا في مادّة الرياضيات مثلًا، لكنّه يمتلك قدرة عالية على التحليل الأدبي أو الفهم التاريخي، وعندما يجد المجال الذي يناسبه، تبدأ هذه القدرات بالظهور تدريجيًا؛ لأنّ التخصّص هنا يكون بمنزلة النافذة التي تكشف مواهب الطالب، وتمنحه الفرصة ليبرع في المجال الذي يشبهه. إنّ تحسّن مستوى الطالب عند انتقاله إلى مرحلة التخصّص ليس ظاهرة غريبة، بل هو دليل على أنّ لكلّ طالب مجالًا يزدهر فيه عندما تتوافر له الظروف المناسبة، وذلك حين يلتقي الطالب بميوله العلمية ويشعر بوضوح الهدف، وينضج عقله وتفكيره، فتتحوّل الدراسة من عبء ثقيل إلى مساحة للإبداع والإنجاز، ومن هنا فإنّ النظام التعليمي الناجح هو الذي يمنح الطالب فرصة اكتشاف ذاته، ويهيّئ له المسار الذي يستطيع عن طريقه أن يعبّر عن قدراته ويحقّق طموحاته؛ لأنّ التفوّق الحقيقي لا يُولد من الضغط، بل من الانسجام بين الإنسان وما يتعلّمه، وحين يتحقّق هذا الانسجام يظهر الإبداع بصورة طبيعية لا استثناء فيه.