الفن الضوئي: حين يتحول الضوء إلى لغة للجمال

بيداء حسن العوادي/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 3

فرضت التحوّلات التكنولوجية الحديثة والمركزية البصرية في المجتمعات المعاصرة ضرورة إعادة قراءة الوظيفة الفنّية للإضاءة، وبعد أنْ كان الضوء وسيلةً تكميليةً أصبح اليوم ركيزةً حواريةً تهيمن على الفضاء المسرحي وتصوغ أبعاده الحديثة، فانبثقت اتجاهات فنّية ترتكز كلّيًا على الضوء بوصفه خامة تشكيلية، بدءًا من مسرح الظلّ وصولًا إلى اللوحات الضوئية المتكاملة، ممّا أوجد ميدانًا تنافسيًا يستنهض الأدوات الابتكارية للفنّان المعاصر لمواكبة روح العصر وتكريس بصمته الفنّية. يُصنّف الفنّ الضوئي من ضمن فروع الفنون البصرية المعاصرة التي تتّخذ من الضوء مادّة أساسية للتعبير الفنّي، إذ يستخدمه الفنّان لخلق تجربة حسّية وبصرية تبهر المشاهد وتؤثّر في إدراكه للمكان ومعاصرة الزمان، وتتعدّد استخدامات الإضاءة وَفق الحقبة الزمنية المراد إيصالها، فانتقال الفنّان من ضوء إلى آخر يحاكي مجموعة حُقب زمنية يفهمها المشاهد من دون الحاجة إلى التصريح بها؛ ليختزل بذلك طرق التعبير الأخرى، وقد ظهر الاهتمام بالضوء بوصفه عنصرًا فنّيًا منذ بدايات القرن العشرين مع تطوّر التكنولوجيا الكهربائية، إذ بدأ الفنّانون يكتشفون أهمّية المصابيح والانعكاسات والظلال في أعمالهم، ثم تطوّر هذا الاتجاه بشكل أكبر في ستينيات القرن الماضي مع انتشار الفنون التجريبية والتركيبية، إذ صار الضوء يُستخدم في المنحوتات والتركيبات الفنّية والمعارض التفاعلية، فهو لا يقتصر على الرؤية فقط، بل يخلق إحساسًا بالفضاء والعمق والحركة. التقنيات الإلكترونية التي يعتمد عليها الفنّ الضوئي: المصابيح (LED) متعدّدة الألوان، الليزر، الإسقاط الضوئي الرقمي، أنظمة الاستشعار والحاسوب التي تجعل العمل يتفاعل مع حركة الجمهور. أنواع الفنّ الضوئي: 1- التركيبات الضوئية: أعمال فنّية كبيرة تستخدم الإضاءة داخل فضاء محدّد لتشكيل تجربة بصرية متكاملة. 2- الرسم بالضوء: تقنية تصوير فوتوغرافي يُحرّك فيها مصدر الضوء في أثناء التقاط الصورة لتكوين خطوط وأشكال مضيئة. 3- الإسقاط الضوئي على المباني: يُعرف أحيانًا باسم العرض الضوئي المعماري، إذ تُسقط إشعاعات ضوئية لترسم صورًا أو أنماطًا متحرّكة على واجهات المباني. 4- المنحوتات الضوئية: مجسّمات أو أعمال ثلاثية الأبعاد تعتمد الضوء والموادّ الشفّافة أو العاكسة. ومن الناحية الجمالية يمنح الضوء الفنّان قدرة فريدة على التحكّم بالشفّافية والانعكاس والظلّ، وهي عناصر يصعب تحقيقها بالموادّ التقليدية وحدها، فالضوء مادّة غير ملموسة، لكنّه قادر على رسم حدود المكان، وصناعة العمق، وإيجاد مشاعر متباينة لدى المتلقّي، ونقله من الدهشة إلى السكون، ومن التأمّل إلى الانبهار، والجدير بالذكر أنّ الفنّ الضوئي لا يقتصر حضوره على المعارض والمسارح، بل أصبح حاضرًا في الفضاء الحضري الحديث، إذ تستخدمه المدن لتزيين الشوارع والجسور والحدائق؛ ليتحوّل الضوء إلى لغة جمالية تُعيد اكتشاف المكان، وتضفي عليه بُعدًا ثقافيًا وفنّيًا. إنّ الفنّ الضوئي يمثّل أحد تجلّيات اللقاء بين الإبداع الإنساني والتقدّم التقني، فهو فنّ يعكس روح العصر الذي نعيش فيه، عصر السرعة والتكنولوجيا، لكنّه في الوقت ذاته يذكّرنا بأنّ أبسط عناصر الطبيعة كالضوء يمكن أنْ يتحوّل في يد الفنّان إلى تجربة جمالية آسرة.