رياض الزهراء العدد 231 مخطوط قرآني
(مصحف إشبيلية) شاهد على جمال المخطوطات في القرن السابع الهجري
يُعدّ مصحف إشبيلية من أندر المصاحف المؤرّخة الباقية من حضارة الأندلس الإسلاميّة، وقد نُسخ في مدينة (Seville) في العام (624هـ/1226م)، وتُظهر المخطوطة مستوىً رفيعًا من فنون الكتابة والزخرفة في المغرب الإسلامي، إذ كُتب نصّ القرآن الكريم بخطّ أندلسي (مغربي) مضغوط على الرقّ، وهو الخطّ الذي تطوّر في الأندلس والمغرب متأثّرًا بالخطّ الكوفي، لكنّه اكتسب طابعًا مميّزًا في انحناء الحروف وتباعدها النسبي. ويتألّف المصحف من نحو (130) صفحة بقياس يقارب (22 × 20 سم)، ويتميّز بعناية واضحة في تزيين الصفحات، فالصفحة الافتتاحية المزدوجة مزخرفة بتذهيب كثيف، وزخارف هندسية ونباتية، وهو أسلوب شائع في المصاحف الأندلسية التي تجمع بين البساطة النسبية في المتن والثراء الزخرفي في الصفحات الافتتاحية وعناوين السور المكتوبة بالذهب، ووُضعت علامات الآيات والزخارف الهامشية التي تشير إلى مواضع السجود وتقسيمات القرآن، وهي عناصر تنظيمية تساعد القارئ والحافظ على متابعة التلاوة. أمّا الصفحة الأخيرة من المصحف فتضمّ التذييل، فتُذكر معلومات النسخة والدعاء والصيغة الختامية، وقد زُيّنت هذه الصفحة داخل وردة زخرفية محاطة بإطار مربّع، وهو نمط زخرفي معروف في بعض المصاحف الأندلسية المتأخّرة. نُقلت بعض المخطوطات الإسلامية مع المسلمين الذين غادروا بلادهم نحو شمال أفريقيا، وتشير الروايات الموجودة في الفهارس الأوروبية إلى أنّ هذا المصحف وصل إلى مدينة (تونس) التي كانت آنذاك مركزًا علميًّا وثقافيًا مهمًا في المغرب الإسلامي (الأندلس)، ثم نُقلت مجموعة من المخطوطات ومنها هذا المصحف إلى أوروبا، ثم وصل إلى يد الدبلوماسي والمستشرق الألمانيJohann) Albrecht Widmanstetter) الذي كان مهتمًّا باللغات الشرقية والمخطوطات العربية، وقد أصبحت مكتبته فيما بعد نواةً لمكتبة البلاط في مدينة (Munich)، وعن طريق هذا المسار أُدخل المصحف إلى المجموعات الأوروبية، إذ استقرّ في نهاية المطاف في (Bavarian State Library)، وهي إحدى أهمّ المكتبات التي تحتفظ بالمخطوطات العربية والإسلامية في أوروبا. ومن الناحية التاريخية يُعدّ مصحف إشبيلية شاهدًا مهمًّا على فنون كتابة المصحف في الأندلس في حقبة القرن السابع الهجري، فهو يجمع بين خصائص الخطّ المغربي والخطّ الأندلسي، ويُظهر تطوّر فنّ التذهيب والزخرفة في الغرب الإسلامي، مثلما يقدّم أنموذجًا محسوسًا على حركة انتقال المخطوطات عبر جغرافية البحر الأبيض المتوسّط.