عطره يمتد في ذاكرة الزمن

وفاء عمر عاشور/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 2

في زاوية هادئة من بيت يغمره الحنين إلى الماضي، اجتمعنا في مناسبة عائلية سعيدة، وبين الوجوه المألوفة لفتت انتباهي قريبتي المسنّة التي قد مرَّ الزمن فوق وجهها كعاصفة، نقشت عليه خطوطًا عميقة الحزن، ومع ذلك لم تخلُ ملامحها من ابتسامةٍ خافتة متردّدة، كأنّها تحاول أنْ تزيّف وجعها أو تخدعه. جلستْ في أحد الأركان وعيناها تجوبان المكان كأنّهما في مَهمّة بحث، نظراتها كانت مضطربة متلهّفة، ومشبعة بالحيرة والانتظار، كانت تسأل مَن حولها مرارًا بصوت يقطر شوقًا: أين هو؟ أين ذهب؟ لم أعرف عمّن تبحثُ بهذه اللهفة الموجعة، ممّا زاد من فضولي، مرّ الوقت بطيئًا حتى وقع بصري عليها مجدّدًا في مشهد هزّني من الأعماق، وجدتُها تحتضن طفلًا صغيرًا، لم تكفّ عن تقبيل رأسه ووجهه، كأنّها تُحاول أنْ تحفظ ملامحه بكلّ تفاصيلها، لم تكن دموعها بكاءً بل نحيبًا يخرج من قلبها بصمت، تتساقط دموعها من عينيها كحبّات لؤلؤ انفرطت من عقد ثمين، في تلك اللحظة شعرتُ أنّها لا ترى الطفل بل ترى شخصًا آخر من خلاله، كأنّها تحتضن وهمًا أو ذكرى متجسّدة في كيان هذا الصغير، سألتُ أحدهم: مَن يكون هذا الطفل؟ فأجاب بصوت خافت كأنّ الكلمات تخونه: إنّه حفيدها، من ابنها الشهيد، ذاك الذي خطفه الموت على يد الإرهاب في إحدى معارك العزّ والفخر، ولم يُعثر على جثمانه حتى اليوم. حينها أدركتُ أنّ هذه الأمّ لا تبكي حفيدها بل تبكي (أنور)، ابنها الغائب الذي بفقده اظلمّت حياتها وعتم نهارها، تبحث عن ظلّه في ملامح وجه حفيدها، وعن صوته في ضحكاته، وعن رائحته في خصلات شعره، محاولةً أنْ تستردّ ما لا يُستردّ، وتمسك بما تبقّى لها من روح ابنها المفقود وإنْ كانت تعلم في أعماقها أنّه حيّ عند ربّه يُرزق في جنان الخلد: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169). أدركتُ حينها أنّ الفقد لا يكمن في الموت بل في غياب الجسد، في الفراغ الذي لا يُملأ، في الجرح الذي لا يندمل، فالبديل لا يعوّض عن الأصل وإنْ كان قطعة منه.