من عاشوراء إلى صناعة الإنسان.. ملتقى (رواسي) الثقافي يؤسس لرؤية تستثمر القيم في بناء الوعي النفسي والمجتمعي

دلال كمال العكيليّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 18

رسّخ ملتقى (رواسي) الثقافي، في نسخته الأولى، رؤيةً معرفيةً استثمرت القيم العاشورائية في بناء الإنسان، عبر مقاربة جمعت بين البعد النفسي والتربوي والفكريّ، لتؤكد أن النهضة الحسينية ليست إرثًا تاريخيًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا متجددًا قادرًا على صناعة الوعي وتعزيز المرونة النفسية وترسيخ منظومة القيم في الأسرة والمجتمع. وانطلق الملتقى، الذي نظمه مركز الثقافة الأسرية التابع لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة تحت شعار: "من الاحتراق إلى التسامي.. آليات الصبر والمرونة النفسية.. قراءة عاشورائية"، بوصفه مشروعًا فكريًا يسعى إلى إعادة قراءة عاشوراء بمنهج علمي معاصر، يربط بين مبادئها الخالدة والتحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الإنسان اليوم، ويترجم هذه المبادئ إلى برامج ومبادرات ذات أثر مستدام. وعلى امتداد برامجه، رسم الملتقى خارطة معرفية جمعت بين علم النفس والتربية والفكر الإسلامي، وفتح مساحة للحوار بين المختصات والباحثات، بهدف إنتاج قراءة علمية تربط بين القيم الحسينية ومفاهيم الصحة النفسية، وتقدم مقاربات عملية للتعامل مع الضغوط والأزمات، بعيدًا عن المعالجة النظرية المجردة. ولم تقتصر محاور الملتقى على تشخيص ظاهرة الاحتراق النفسي، بل اتجهت نحو البحث عن مسارات التحول من الاستنزاف الداخلي إلى التسامي، عبر بناء الإنسان القادر على إدارة أزماته، وصناعة المعنى، واستثمار القيم لإنها مصدرًا للقوة النفسية والاجتماعية، مؤكدًا أن النهضة الحسينية تمثل نموذجًا حيًا للمرونة النفسية القائمة على الوعي والرسالة والإيمان. كما ركزت فقراته العلمية على الدور المحوري للأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية في صناعة هذا التحول، وضرورة الانتقال إلى البرامج التطبيقية التي تج عل القيم سلوكًا يوميًا، وتسهم في بناء جيل يمتلك القدرة على التفكير الواعي، والتحليل، واتخاذ المواقف على أساس معرفي وأخلاقي راسخ. وجاءت الجلسة الختامية لتترجم هذا المسار الفكري إلى رؤية تنفيذية، عبر الإعلان عن حزمة من التوصيات التي عكست مخرجات الملتقى، وفي مقدمتها تعزيز حضور الثقافة النفسية والتربوية في البرامج المجتمعية، وإطلاق مبادرات مستدامة تُعنى بترميم الذات، وتحقيق التوازن النفسي، ودعم استقرار الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لبناء الإنسان. وفي ترجمة عملية لمخرجات الملتقى، أُعلن عن إعداد برنامج إعلامي بعنوان "من القيم إلى الأثر"، يُعنى بفئة الشباب، ويهدف إلى تنمية الوعي، وتعزيز مهارات الفهم والتحليل والتمييز، وترسيخ الحصانة الفكرية والعقائدية، بما يسهم في تحويل القيم المستلهمة من النهضة الحسينية إلى سلوكيات راسخة وممارسات فاعلة تنعكس إيجابًا على الفرد والمجتمع. كما أوصى الملتقى بتبنّي برنامج "في ظلال القيم" بوصفه مشروعًا تربويًا مستدامًا يستلهم مضامين عاشوراء في ترسيخ القيم النفسية والتربوية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المؤسسات التربوية والأكاديمية لإطلاق مبادرات نوعية تُسهم في غرس تلك القيم لدى الأجيال، وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية وممارسة واعية تتجاوز حدود المناسبة الزمنية، وتمتد أثرًا في الواقع. وبحصيلة جلساته، ونقاشاته، وتوصياته، رسّخت النسخة الأولى من ملتقى (رواسي) الثقافي ملامح رؤية استراتيجية تنطلق من أن بناء الإنسان يمثل الأساس في بناء المجتمع، وأن استثمار القيم الحسينية في مجالات التربية والصحة النفسية والوعي الفكري يشكل مشروعًا حضاريًا مستدامًا، يحوّل المعرفة إلى أثر، والقيم إلى سلوك، وعاشوراء إلى منهج متجدد في صناعة الإنسان وتعزيز استقراره النفسي والفكري والاجتماعي.