ما سبب وجود الشرور في حياتنا
يتساءل الإنسان: لماذا توجد الشرور؟ لماذا لم يسُدْ العالم الخير فقط؟ إليس الله (عزّ وجلّ) هو القادر على كلّ شيء؟ يُعدّ هذا السؤال من الأسئلة التي شغلت ذهن الإنسان منذ وقت بعيد، وهو من أبرز الذرائع التي تشبّث بها الملحدون لرفض فكرة وجود إله متصرّف له القدرة المطلقة في هذا الوجود، فكيف يكون هذا الربّ خيرًا مطلقًا وهناك آلام وشرور تحيط بحياة البشر؟ هذا التساؤل قد دفع بعض التيّارات الإيديولوجية كـ(الثنوية) إلى الاعتقاد بتعدّد الخالق، إذ تصوّروا أنّ إله الخير هو غير إله الشرّ هربًا من هذا الإشكال. تُصنّف الشرور إلى: إرادية-أخلاقية- وهي التي تنتج عن سوء اختيار الإنسان وانحطاطه الأخلاقي، وما يقترفه من قتل ونهب وظلم وسرقة، وغيرها من الشرور، وشرور لا إرادية-طبيعية- وهي النوائب والصعاب التي تنجم عمّا تفرضه الطبيعة وتقلّباتها والتي تنشأ من تفاعل بعض أجزاء الطبيعة مع بعضها كالزلازل، والسيول، والأمراض، غيرها. أمّا تفسير الشرور الأخلاقية فهو أنّ الله تعالى لم يخلق إنسانًا شرّيرًا وآخر خيّرًا، بل خلق إنسانًا مختارًا له إرادة حرّة في اختيار طريق الخير أو طريق الشرّ مثلما جاء في قوله تعالى: إِنّا هديْناهُ السّبِيل إِمّا شاكِرًا وإِمّا كفُورًا (الإنسان:3)، ومقتضى كونه مختارًا لازمه أنْ يكون هناك اختياران وإلّا لكان مجبورًا على فعل الخير، ولانتفى مبدأ الجزاء والفضل في اختيار الخير واستحقاق الفضل، ولم يكن هناك داعٍ للتكليف، وهذا خلاف حكمة الله تعالى، فالشرور الأخلاقية إذن هي وليدة الإرادة البشرية. وأمّا تفسير الشرور الطبيعية، فإنّ هذه الحوادث أمر ذاتي للطبيعة لا تنفكّ عنها، فحقيقة النار هي الإحراق ولا يمكن سلبه عنها، وهي ذات منافع كثيرة للإنسان فإنّ الأضرار المترتّبة عليها من قبيل الإحراق تُعدّ جزءًا من آثارها التكوينية، فعندما تشبّ النار في الغابات وتحرق آلاف الهكتارات من الأشجار لا يكون ذلك من الشرور، بل حادث تابع للسنن الكونية، واتّصافها بالشرور اتّصاف قياسي وليس نفسيًا، فلو وقعت هذه الحوادث ولم يتأذّ منها الإنسان لما عدّها شرورًا. ومثال آخر يذكره الشيخ السبحاني: (العقرب بما هو ليس فيه أيّ شرّ، إنّما يتّصف بالشرّ إذا قِيس إلى الإنسان الذي يتأذّى من لسعته، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود، بل هو أمر انتزاعي تنتقل إليه النفس من حيث المقايسة)(1)، إذًا شرّية الشرور رهينة بما يعانيه أو يقاسيه الإنسان من أذاها. لكن لماذا أصبحت هذه الظواهر تفتك بالإنسان وتضرّ به كالسيول والحرائق والزلازل؟ إنّ سبب ذلك يعود لاختيارات الإنسان وإفساده للطبيعة وجوره في الاستفادة من مواردها، فاستخدامه اللامسؤول لمصادر الطبيعة وعبثيته، جعلت هذه الظواهر مؤذية لبني جنسه. إنّ الشرور بأسرها وليدة إرادة الإنسان واختياراته، ولا يمكن نسبة الشرور إلى الله تعالى، نعم كلّ ما يحدث في هذا العالم يعود في مآل أمره إلى الإرادة الإلهية القاهرة، لكنّه سبحانه جعل اختيار الخير والشرّ للإنسان؛ لينال الجزاء والثواب، أو العقاب في العالم الآخر. ............ (1) الإلهيات: ج1، ص313.