رياض الزهراء العدد 232 أنوار قرآنية
مفهوم التضحية في القرآن الكريم وتجلياتها في عاشوراء
تُعدّ التضحية من أسمى القيم والمبادئ الإسلامية، وقد أكّد عليها القُرآن الكريم في أكثر من آية، إذ ترتبط التضحية بمفاهيم عديدة، كالإيثار، والصبر، والجهاد في سبيل الله تعالى، والثبات على المبادئ في أحلك الظروف، وتكمن قيمة التضحية في تقديم المصلحة العامّة على المصالح الشخصية قربةً إلى الله تعالى وسعيًا للحفاظ على الدين والمُعتقد، وصيانة المجتمع من التفكّك والانحلال، إذ تتنوّع مظاهر التضحية، فتارة تكون بالنفس في ميادين الجهاد، وتارة تكون بالمال بغية نصرة الدين وإعانة الفقراء والمحتاجين، وتارة تكون التضحية بالراحة والمصلحة الشخصية، ومن هذا المُنطلق عرض القرآن الكريم نماذج عديدة للتضحية في سياقات مُختلفة لتكون نهجًا للمؤمنين في مُواجهة التحدّيات التي تعترض حياتهم، وليكون أولئك المضحّون نبراسًا ينير للأجيال طرق تحقيق الخير والعدالة؛ لعيش حياة كريمة مصونة من المذلّة والانحراف. مفهوم التضحية في القرآن الكريم: لم يقتصر مفهوم التضحية في القرآن الكريم على البذل المادّي فحسب، بل هو مفهوم شامل لكلّ ما يستطيع المرء تقديمه لخدمة قضية مُعيّنة، إذ يتضمّن بذل النفس والمال والوقت في سبيل الله تعالى، ونصرة الحقّ، وتحقيق العدل، وقد ربط القرآن الكريم هذه القيمة بالإيمان الصادق، فقد جاء في قوله تعالى: )إِنّ اللّه اشْترىٰ مِن الْمُؤْمِنِين أنفُسهُمْ وأمْوالهُم بِأنّ لهُمُ الْجنّة يُقاتِلُون فِي سبِيلِ اللّهِ فيقْتُلُون ويُقْتلُون وعْدًا عليْهِ حقًّا فِي التّوْراةِ والْإِنجِيلِ والْقُرْآنِ ومنْ أوْفىٰ بِعهْدِهِ مِن اللّهِ فاسْتبْشِرُوا بِبيْعِكُمُ الّذِي بايعْتُم بِهِ وذٰلِك هُو الْفوْزُ الْعظِيمُ( (التوبة:111)، فقد جعل الله (عزّ وجلّ) نفسه مشتريًا والمؤمنين بائعين، وأموالهم وأنفسهم متاعًا وبضاعةً، والجنّة ثمنًا لهذه المعاملة. نماذج قرآنية عن التضحية: عرض القرآن الكريم نماذج خالدة للتضحية، منها قصّة النبي إبراهيم (عليه السلام) عندما امتثل لأمر الله تعالى في ذبح ابنه في مشهد يجسّد أعلى درجات التسليم والطاعة، مثلما تظهر التضحية في سيرة الأنبياء (عليهم السلام) الذين تحمّلوا الأذى في سبيل دعوة أقوامهم، كصبر النبي نوح (عليه السلام)، وثبات النبي موسى (عليه السلام) في مواجهة الظلم، مثلما عرض القرآن الكريم نماذج أخرى للتضحية كقصّة مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم وثباتهما على المبادئ القويمة، فالتضحية لا تقتصر على فئة محدّدة من الناس. وأبرز تضحيات في العالمين ما صدرت عن أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) فجاء في قوله تعالى: )يُوفُون بِالنّذْرِ ويخافُون يوْمًا كان شرُّهُ مُسْتطِيرًا ويُطْعِمُون الطّعام علىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا ويتِيمًا وأسِيرًا( (الإنسان: 7-8)، فقد نزلت بحقّ عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، إذ صاموا ثلاثة أيام، وفي كلّ يوم كانوا يهبون طعام إفطارهم للآخرين ابتغاء مرضاة الله تعالى، ويفطرون على الماء القراح فقط(1). عاشوراء تجسيد لقيم التضحية: مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء تجسيد حي لقيم التضحية، فقد خرج (عليه السلام) طالبًا الإصلاح، رافضًا الظلم والانحراف، فضحّى بنفسه الشريفة وبمهجته وبأهل بيته وأصحابه في سبيل إنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة(2)، غير مبالٍ في بالحشود التي اجتمعت على قتله، يصدح بقوله (عليه السلام): "ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد تركني بين السِلّة والذِلّة، وهيهات له ذلك منّي، هيهات منّا الذلّة"(3). قدّم الإمام الحسين (عليه السلام) أنموذجًا كاملًا في مواجهة الظلم والطغيان؛ لذلك أصبح يوم عاشوراء رمزًا للصراع بين الحقّ والباطل، ومصدر إلهام الأحرار في كلّ زمان ومكانٍ، إذ جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) قيمة التضحية بأسمى معانيها، وقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "أُصيب الحسين بن عليّ عليه السلام، ووُجد به ثلاثمائة وبضع وعشرون طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم"، فروي أنّها كانت كلّها في مقدّمه لأنّه (عليه السلام) كان لا يولّي(3)، وبذلك تكون التضحية درسًا خالدًا يدعو الإنسان إلى التمسّك بالمبادئ مهما كانت التحدّيات، متّخذًا من موقف سيّد الشهداء (عليه السلام) شاهدًا ودليلًا على عظمة التضحية. ............. (1) فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص180. (2) تهذيب الأحكام للطوسي: ج6، ص113. (3) بحار الأنوار: ج74، ص162. (4) المصدر نفسه: ج45، ص83.